جزا الله الشيخ العصيمي خيرا الذي دلنا على باب اعظام العلم اشار اليه في احد شروحه على النت
سنن الدارمي ، اسم المؤلف: عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي ، دار النشر : دار الكتاب العربي - بيروت - 1407 ، الطبعة : الأولى ، تحقيق : فواز أحمد زمرلي , خالد السبع العلمي
56 باب في إِعظَامِ العِلْمِ
646 أخبرنا يَعقُوبُ بن إبراهيم ثنا رَوحٌ ثنا حجَّاجٌ الأَسْوَدُ قال قال بن مُنبِّهٍ كان أَهلُ العِلْمِ فِيما مضَى يضَنُّونَ بِعِلمِهِمْ عن أَهلِ الدُّنيَا فَيَرغَبُ أَهلُ الدُّنيَا في عِلمِهِمْ فَيَبذُلُونَ لهم دُنيَاهُمْ وان أَهلَ العِلْمِ اليَوْمَ بذَلُوا عِلمَهُمْ لِأَهلِ الدُّنيَا فزَهِدَ أَهلُ الدُّنيَا في عِلمِهِمْ فضَنُّوا عليهم بِدُنْياهُمْ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 162
647 أخبرنا يعْقُوبُ بن إبراهيم ثنا محمد بن عُمرَ بن الْكُميْتِ ثنا علِيُّ بن وهْبٍ الْهمْدَانِيُّ حدثنا الضّحَّاكُ بن مُوسى قال مرَّ سُليْمَانُ بن عبد الْملِكِ بِالْمدِينَةِ وهو يرِيدُ مكَّةَ فأَقَامَ بها أيَّامًا فقال هل بِالْمدِينَةِ أحَدٌ أدْرَكَ أحَدًا من أصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم فقَالُوا له أبو حازِمٍ فأَرْسَلَ إليه فلما دخل عليه قال له يا أبَا حازِمٍ ما هذا الْجفَاءُ قال أبو حازِمٍ يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ وأَيُّ جفَاءٍ رأَيْتَ منِّي قال أتَانِي وجُوهُ أهْلِ الْمدِينَةِ ولم تأْتِنِي قال يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ أعِيذُكَ بِاللّهِ ان تقُولَ ما لم يكُنْ ما عرَفْتَنِي قبل هذا الْيوْمِ ولا أنا رأَيْتُكَ قال فالْتَفَتَ سُليْمَانُ إلى مُحمَّدِ بن شِهابٍ الزّهْرِيِّ فقال أصَابَ الشيخ وأَخْطَأْتُ قال سُليْمَانُ يا أبَا حازِمٍ مالنا نكْرَهُ الْموْتَ قال لِأنَّكُمْ أخْرَبْتُمْ الْآخِرةَ وعَمَّرْتُمْ الدُّنْيا فكَرِهْتُمْ ان تنتقلوا من الْعُمْرانِ إلى الْخرَابِ قال أصَبْتَ يا أبَا حازِمٍ فكَيْفَ الْقدُومُ غدًا على اللّهِ قال أمَّا الْمحْسِنُ فكَالْغَائِبِ يقْدُمُ على أهْلِهِ واما الْمسِيءُ فكَالْآبِقِ يقْدُمُ على موْلَاهُ فبَكَى سُليْمَانُ وقال ليْتَ شعْرِي مالنا عنْدَ اللّهِ قال اعْرضْ عمَلَكَ على كِتابِ اللّهِ قال وأَيُّ مكَانٍ أجِدُهُ قال ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) قال سُليْمَانُ فأَيْنَ رحْمَةُ اللّهِ يا أبَا حازِمٍ قال أبو حازِمٍ رحمة الله قريب من المحسنين قال له سلَيْمَانُ يا أبَا حَازمٍ فأَيُّ عبَادِ اللّهِ أَكرَمُ قال أو لو الْمرُوءَةِ وَالنّهَى قال له سلَيْمَانُ فأَيُّ الأَعْمَالِ أَفضَلُ قال أبو حَازمٍ أدَاءُ الْفَرَائضِ مع اجْتنَابِ الْمَحَارمِ قال سلَيْمَانُ فأَيُّ الدّعَاءِ أَسمَعُ قال أبو حَازمٍ دعَاءُ الْمحْسَنِ إليه لِلْمحْسِنِ قال فأَيُّ الصّدَقَةِ أَفضَلُ قال للسَّائِلِ الْبَائسِ وَجهْدُ الْمقِلِّ ليس فيها منٌّ ولا أذًى قال فأَيُّ القَوْلِ أَعدَلُ قال قَولُ الْحقِّ عنْدَ من تخَافُهُ أو
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 163
ترْجُوهُ قال فأَيُّ الْمُؤْمنِينَ أكْيَسُ قال رجُلٌ عَملَ بطَاعَةِ اللّهِ ودَلَّ الناس عليها قال فأَيُّ الْمُؤْمنِينَ أحْمَقُ قال رجُلٌ انْحطَّ في هوَى أَخيهِ وهو ظَالمٌ فبَاعَ آخرَتَهُ بدُنْيَا غَيْرهِ قال له سُليْمَانُ أصَبْتَ فما تقُولُ فيمَا نحْنُ فيه قال يا أَميرَ الْمُؤْمنِينَ أوَ تعفني قال له سُليْمَانُ لا وَلَكنْ نَصيحَةٌ تُلْقيهَا إلي قال يا أَميرَ الْمُؤْمنِينَ ان آباءَكَ قهَرُوا الناس بالسَّيْفِ وأَخَذُوا هذا المُلْكَ عنْوَةً على غيْرِ مشُورَةٍ من الْمُسْلمِينَ ولا رضا لهم حتى قتَلُوا منهم مقتله عَظيمَةً فقَدْ ارْتحَلُوا عنها فلَوْ شعرت ما قالوه وما قيلَ لهم فقال له رجُلٌ من جُلَسَائهِ بئْسَ ما قُلتَ يا أبَا حَازمٍ قال أبو حَازمٍ كذَبْتَ ان اللّهَ أخَذَ ميثَاقَ الْعُلمَاءِ لَيُبَيّنُنَّهُ للنَّاسِ ولا يكْتُمُونَهُ قال له سُليْمَانُ فكَيْفَ لنا ان نُصْلحَ قال تدَعُونَ التصلف وتَمَسَّكُونَ بالْمُرُوءَةِ وَتَقسِمُونَ بِالسّوِيَّةِ قال له سُلَيمَانُ كَيفَ لنا بِالمَأْخَذِ بهِ قال أبو حاَزِمٍ تَأخُذُهُ من حلِّهِ وتَضَعُهُ في أَهلِهِ قال له سُلَيمَانُ هل لك يا أبَا حازِمٍ ان تَصحَبَنَا فتُصِيبَ مِنّا ونُصِيبَ مِنكَ قال أعُوذُ بِاللّهِ قال له سُلَيمَانُ ولِمَ ذاكَ قال أَخشَى أنْ أَركَنَ إِلَيكُمْ شيئا قلِيلًا فيُذِيقَنِي الله ضِعفَ الحَيَاةِ وَضِعفَ المَمَاتِ قال له سُلَيمَانُ أرفع إِلَينَا حوَائِجَكَ قال تُنجِينِي من النّارِ وَتُدخِلُنِي الجَنَّةَ قال سُلَيمَانُ ليس ذاكَ إلي قال أبو حازِمٍ فمالي إِلَيكَ حاجَةٌ غَيرُهَا قال فَادعُ لي قال أبو حازِمٍ اللهم ان كان سُلَيمَانُ ولِيَّكَ فَيَسِّرهُ لِخَيرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وان كان عدُوَّكَ فخُذْ بِناصِيَتِهِ إلى ما تحِبُّ وَتَرضَى قال له سُلَيمَانُ قطُّ قال أبو حازِمٍ قد أَوجَزْتُ وَأَكثَرْتُ ان كُنتَ من أَهلِهِ وان لم تكُنْ من أَهلِهِ فما يَنفَعُنِي ان أَرمِيَ عن قَوسٍ ليس لها وتَرٌ قال له سُلَيمَانُ أَوصِنِي قال سأُوصِيكَ وأُوجِزُ عظِّمْ ربَّكَ ونَزِّهْهُ ان يرَاكَ حيْثُ نهَاكَ أو يفْقِدَكَ حيْثُ أمَرَكَ فلما خرَجَ من عنْدِهِ بعَثَ إليه بِمِائةِ دِينارٍ وكَتَبَ إليه ان أنْفِقْهَا ولَكَ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 164
عنْدِي مِثْلُها كثِيرٌ قال فرَدَّهَا عليه وكَتَبَ إليه يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ أعِيذُكَ بِاللّهِ ان يكُونَ سُؤالُكَ إِيّايَ هزْلًا أو ردِّي علَيْكَ بذل وما أرْضَاهَا لك فكَيْفَ أرْضَاهَا لِنفْسِي وكَتَبَ إليه ان مُوسى بن عِمْرانَ لمَّا ( ورَدَ ماءَ مدْيَنَ وجَدَ ) عليها رِعاءً ( يسْقُونَ ووَجَدَ من دونِهِمْ ) جارِيَتَيْنِ تزودان فسَأَلَهُمَا فقَالَتَا ( لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) وذَلِكَ انه كان جائِعًا خائِفًا لا يأْمَنُ فسَأَلَ ربَّهُ ولم يسْأَلْ الناس فلم يفْطِنْ الرِّعاءُ وفَطِنَتْ الْجارِيتَانِ فلما رجَعَتَا إلى أبِيهِمَا أخْبَرَتَاهُ بِالْقِصّةِ وبِقَوْلِهِ فقال أَبوهُمَا وهو شعَيْبٌ هذا رَجلٌ جَائعٌ فقال لِإِحْدَاهمَا فَادْعيهِ فلما أَتَتهُ عَظَّمَتهُ وغَطَّتْ وَجهَهَا وقَالَتْ ( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فشَقَّ على موسَى حين ذكَرَتْ ( أجر ما سقيت لنا ) ولم يَجدْ بدًّا من ان يَتبَعَهَا انه كان بين الْجبَالِ جَائعًا مسْتَوْحِشًا فلما تَبعَهَا هبَّتْ الرّيحُ فجَعَلَتْ تَصْفقُ ثيَابَهَا على ظَهْرهَا فَتَصفُ له عَجيزَتَهَا وكَانَتْ ذاتَ عَجزٍ وجَعَلَ موسَى يعْرِضُ مرَّةً وَيَغضُّ أخْرَى فلما عيلَ صَبْرهُ نادَاهَا يا أمَةَ اللّهِ كونِي خَلْفي وَأَرينِي السَّمتَ بقَوْلِكِ ذا فلما دخل على شعَيْبٍ إذ هو بالْعَشَاءِ مهَيَّأً فقال له شعَيْبٌ اجْلسْ يا شابُّ فتَعَشَّ فقال له موسَى أَعوذُ باللَّهِ فقال له شعَيْبٌ لمَ أمَا أنت جَائعٌ قال بلَى وَلَكنِّي أخَافُ ان يَكونَ هذا عوَضًا لمَا سَقَيتُ لَهمَا وأنا من أَهلِ بَيتٍ لا نَبيعُ شيئا من دينِنَا بمِلْءِ الأرض ذهَبًا فقال له شُعيْبٌ لا يا شابُّ وَلَكنَّهَا عَادَتي وعَادَةُ آبَائي نقريء الضّيْفَ وَنُطْعمُ الطّعَامَ فجَلَسَ مُوسى فأَكَلَ ان كانت هذه الْمائَةُ دينَارٍ عوَضًا لمَا حدَّثْتُ فالْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخنْزِيرِ في حالِ الاضْطِرَارِ أحَلُّ من هذه وان كان لحَقٍّ في بيْتِ الْمالِ فَلي فيها نُظرَاءُ فَإنْ ساوَيْتَ بيْنَنَا وَإلَّا فلَيْسَ لي فيها حاجَةٌ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 165
648 أخبرنا أبو عُثْمانَ الْبَصْريُّ عن عبد الْعَزيزِ بن مُسلِمٍ القَسْمَلِيِّ انا زَيدٌ العَمِّيُّ عن بَعضِ الفُقَهَاءِ انه قال يا صاحِبَ العِلْمِ اعمَلْ بِعِلمِكَ وَأَعطِ فَضلَ مالِكَ وَاحبِسْ الفَضْلَ من قَولِكَ الا بِشَيءٍ من الحديث يَنفَعُكَ عِندَ ربِّكَ يا صاحِبَ العِلْمِ ان الذي عَلِمتَ ثمَّ لم تَعمَلْ بهِ قاطِعٌ حُجّتَكَ وَمَعذِرَتَكَ عِندِ ربِّكَ إذا لقِيتَهُ يا صاحِبَ العِلْمِ ان الذي أُمِرتَ بهِ من طاعَةِ اللّهِ لَيَشغَلُكَ عمَّا نهِيتَ عنه من مَعصِيَةِ اللّهِ يا صاحِبَ العِلْمِ لا تكُونَنَّ قوِيًّا في عمَلِ غَيرِكَ ضعِيفًا في عمَلِ نَفسِكَ يا صاحِبَ العِلْمِ لا يَشغَلَنَّكَ الذي لِغَيرِكَ عن الذي لك يا صاحِبَ العِلْمِ عظم العُلَمَاءَ وَزَاحِمهُمْ وَاستَمِعْ منهم ودَعْ مُنازَعَتَهُمْ يا صاحِبَ العِلْمِ عظِّمْ العُلَمَاءَ لِعِلمِهِمْ وصَغِّرْ الجُهَّالَ لِجَهلِهِمْ ولا تُبَاعِدهُمْ وَقَرِّبهُمْ وَعَلِّمهُمْ يا صاحِبَ العِلْمِ لا تُحدِّثْ بِحدِيثٍ في مَجلِسٍ حتى تَفهَمَهُ ولا تجِبْ امرَأً في قَولِهِ حتى تَعلَمَ ما قال لك يا صاحِبَ العِلْمِ لا تغْتَرَّ بِاللّهِ ولا تغْتَرَّ بِالنّاسِ فإن الْغِرّةَ بِاللّهِ ترْكُ أمْرِهِ والْغِرَّةَ بِالنّاسِ اتِّباعُ هواهم واحْذَرْ من اللّهِ ما حذَّرَكَ من نفْسِهِ واحْذَرْ من الناس فِتْنتَهُمْ يا صاحِبَ الْعلْمِ انه لا يكْمُلُ ضوْءُ النّهَارِ الا بِالشّمْسِ كذَلِكَ لا تكْمُلُ الْحِكْمةُ الا بِطاعَةِ اللّهِ يا صاحِبَ الْعلْمِ انه لا يصْلُحُ الزّرْعُ الا بِالْماءِ والتُّرَابِ كذَلِكَ لا يصْلُحُ الْإِيمانُ الا بالْعِلْمِ والْعَمَلِ يا صاحِبَ الْعلْمِ كلُّ مُسافِرٍ مُتزَوِّدٌ وسَيَجِدُ إذا احْتاجَ إلى زادِهِ ما تزَوَّدَ وكَذَلِكَ سيَجِدُ كلُّ عامِلٍ إذا احْتاجَ إلى عمَلِهِ في الْآخِرةِ ما عمِلَ في الدُّنْيا يا صاحِبَ الْعلْمِ إذا أرَادَ الله ان يحُضَّكَ على عِبادَتِهِ فاعْلَمْ انه إنما أرَادَ ان يُبيِّنَ لك كرَامَتَكَ عليه فلا تحَوَّلَنَّ إلى غيْرِهِ فتَرْجِعَ من كرَامَتِهِ إلى هوَانِهِ يا صاحِبَ الْعلْمِ انك ان تنْقُلْ الْحِجارَةَ والْحَدِيدَ أهْوَنُ علَيْكَ من ان تُحدِّثَ من لا يقبل حدِيثَكَ ومَثَلُ الذي يحدث من لا يقبل حَديثَهُ كمَثَلِ الذي ينَادِي الْمَيّتَ ويَضَعُ الْمَائدَةَ لأَهْلِ الْقبُورِ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 166
سنن الدارمي ، اسم المؤلف: عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي ، دار النشر : دار الكتاب العربي - بيروت - 1407 ، الطبعة : الأولى ، تحقيق : فواز أحمد زمرلي , خالد السبع العلمي
56 باب في إِعظَامِ العِلْمِ
646 أخبرنا يَعقُوبُ بن إبراهيم ثنا رَوحٌ ثنا حجَّاجٌ الأَسْوَدُ قال قال بن مُنبِّهٍ كان أَهلُ العِلْمِ فِيما مضَى يضَنُّونَ بِعِلمِهِمْ عن أَهلِ الدُّنيَا فَيَرغَبُ أَهلُ الدُّنيَا في عِلمِهِمْ فَيَبذُلُونَ لهم دُنيَاهُمْ وان أَهلَ العِلْمِ اليَوْمَ بذَلُوا عِلمَهُمْ لِأَهلِ الدُّنيَا فزَهِدَ أَهلُ الدُّنيَا في عِلمِهِمْ فضَنُّوا عليهم بِدُنْياهُمْ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 162
647 أخبرنا يعْقُوبُ بن إبراهيم ثنا محمد بن عُمرَ بن الْكُميْتِ ثنا علِيُّ بن وهْبٍ الْهمْدَانِيُّ حدثنا الضّحَّاكُ بن مُوسى قال مرَّ سُليْمَانُ بن عبد الْملِكِ بِالْمدِينَةِ وهو يرِيدُ مكَّةَ فأَقَامَ بها أيَّامًا فقال هل بِالْمدِينَةِ أحَدٌ أدْرَكَ أحَدًا من أصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم فقَالُوا له أبو حازِمٍ فأَرْسَلَ إليه فلما دخل عليه قال له يا أبَا حازِمٍ ما هذا الْجفَاءُ قال أبو حازِمٍ يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ وأَيُّ جفَاءٍ رأَيْتَ منِّي قال أتَانِي وجُوهُ أهْلِ الْمدِينَةِ ولم تأْتِنِي قال يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ أعِيذُكَ بِاللّهِ ان تقُولَ ما لم يكُنْ ما عرَفْتَنِي قبل هذا الْيوْمِ ولا أنا رأَيْتُكَ قال فالْتَفَتَ سُليْمَانُ إلى مُحمَّدِ بن شِهابٍ الزّهْرِيِّ فقال أصَابَ الشيخ وأَخْطَأْتُ قال سُليْمَانُ يا أبَا حازِمٍ مالنا نكْرَهُ الْموْتَ قال لِأنَّكُمْ أخْرَبْتُمْ الْآخِرةَ وعَمَّرْتُمْ الدُّنْيا فكَرِهْتُمْ ان تنتقلوا من الْعُمْرانِ إلى الْخرَابِ قال أصَبْتَ يا أبَا حازِمٍ فكَيْفَ الْقدُومُ غدًا على اللّهِ قال أمَّا الْمحْسِنُ فكَالْغَائِبِ يقْدُمُ على أهْلِهِ واما الْمسِيءُ فكَالْآبِقِ يقْدُمُ على موْلَاهُ فبَكَى سُليْمَانُ وقال ليْتَ شعْرِي مالنا عنْدَ اللّهِ قال اعْرضْ عمَلَكَ على كِتابِ اللّهِ قال وأَيُّ مكَانٍ أجِدُهُ قال ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) قال سُليْمَانُ فأَيْنَ رحْمَةُ اللّهِ يا أبَا حازِمٍ قال أبو حازِمٍ رحمة الله قريب من المحسنين قال له سلَيْمَانُ يا أبَا حَازمٍ فأَيُّ عبَادِ اللّهِ أَكرَمُ قال أو لو الْمرُوءَةِ وَالنّهَى قال له سلَيْمَانُ فأَيُّ الأَعْمَالِ أَفضَلُ قال أبو حَازمٍ أدَاءُ الْفَرَائضِ مع اجْتنَابِ الْمَحَارمِ قال سلَيْمَانُ فأَيُّ الدّعَاءِ أَسمَعُ قال أبو حَازمٍ دعَاءُ الْمحْسَنِ إليه لِلْمحْسِنِ قال فأَيُّ الصّدَقَةِ أَفضَلُ قال للسَّائِلِ الْبَائسِ وَجهْدُ الْمقِلِّ ليس فيها منٌّ ولا أذًى قال فأَيُّ القَوْلِ أَعدَلُ قال قَولُ الْحقِّ عنْدَ من تخَافُهُ أو
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 163
ترْجُوهُ قال فأَيُّ الْمُؤْمنِينَ أكْيَسُ قال رجُلٌ عَملَ بطَاعَةِ اللّهِ ودَلَّ الناس عليها قال فأَيُّ الْمُؤْمنِينَ أحْمَقُ قال رجُلٌ انْحطَّ في هوَى أَخيهِ وهو ظَالمٌ فبَاعَ آخرَتَهُ بدُنْيَا غَيْرهِ قال له سُليْمَانُ أصَبْتَ فما تقُولُ فيمَا نحْنُ فيه قال يا أَميرَ الْمُؤْمنِينَ أوَ تعفني قال له سُليْمَانُ لا وَلَكنْ نَصيحَةٌ تُلْقيهَا إلي قال يا أَميرَ الْمُؤْمنِينَ ان آباءَكَ قهَرُوا الناس بالسَّيْفِ وأَخَذُوا هذا المُلْكَ عنْوَةً على غيْرِ مشُورَةٍ من الْمُسْلمِينَ ولا رضا لهم حتى قتَلُوا منهم مقتله عَظيمَةً فقَدْ ارْتحَلُوا عنها فلَوْ شعرت ما قالوه وما قيلَ لهم فقال له رجُلٌ من جُلَسَائهِ بئْسَ ما قُلتَ يا أبَا حَازمٍ قال أبو حَازمٍ كذَبْتَ ان اللّهَ أخَذَ ميثَاقَ الْعُلمَاءِ لَيُبَيّنُنَّهُ للنَّاسِ ولا يكْتُمُونَهُ قال له سُليْمَانُ فكَيْفَ لنا ان نُصْلحَ قال تدَعُونَ التصلف وتَمَسَّكُونَ بالْمُرُوءَةِ وَتَقسِمُونَ بِالسّوِيَّةِ قال له سُلَيمَانُ كَيفَ لنا بِالمَأْخَذِ بهِ قال أبو حاَزِمٍ تَأخُذُهُ من حلِّهِ وتَضَعُهُ في أَهلِهِ قال له سُلَيمَانُ هل لك يا أبَا حازِمٍ ان تَصحَبَنَا فتُصِيبَ مِنّا ونُصِيبَ مِنكَ قال أعُوذُ بِاللّهِ قال له سُلَيمَانُ ولِمَ ذاكَ قال أَخشَى أنْ أَركَنَ إِلَيكُمْ شيئا قلِيلًا فيُذِيقَنِي الله ضِعفَ الحَيَاةِ وَضِعفَ المَمَاتِ قال له سُلَيمَانُ أرفع إِلَينَا حوَائِجَكَ قال تُنجِينِي من النّارِ وَتُدخِلُنِي الجَنَّةَ قال سُلَيمَانُ ليس ذاكَ إلي قال أبو حازِمٍ فمالي إِلَيكَ حاجَةٌ غَيرُهَا قال فَادعُ لي قال أبو حازِمٍ اللهم ان كان سُلَيمَانُ ولِيَّكَ فَيَسِّرهُ لِخَيرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وان كان عدُوَّكَ فخُذْ بِناصِيَتِهِ إلى ما تحِبُّ وَتَرضَى قال له سُلَيمَانُ قطُّ قال أبو حازِمٍ قد أَوجَزْتُ وَأَكثَرْتُ ان كُنتَ من أَهلِهِ وان لم تكُنْ من أَهلِهِ فما يَنفَعُنِي ان أَرمِيَ عن قَوسٍ ليس لها وتَرٌ قال له سُلَيمَانُ أَوصِنِي قال سأُوصِيكَ وأُوجِزُ عظِّمْ ربَّكَ ونَزِّهْهُ ان يرَاكَ حيْثُ نهَاكَ أو يفْقِدَكَ حيْثُ أمَرَكَ فلما خرَجَ من عنْدِهِ بعَثَ إليه بِمِائةِ دِينارٍ وكَتَبَ إليه ان أنْفِقْهَا ولَكَ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 164
عنْدِي مِثْلُها كثِيرٌ قال فرَدَّهَا عليه وكَتَبَ إليه يا أمِيرَ الْمؤْمِنِينَ أعِيذُكَ بِاللّهِ ان يكُونَ سُؤالُكَ إِيّايَ هزْلًا أو ردِّي علَيْكَ بذل وما أرْضَاهَا لك فكَيْفَ أرْضَاهَا لِنفْسِي وكَتَبَ إليه ان مُوسى بن عِمْرانَ لمَّا ( ورَدَ ماءَ مدْيَنَ وجَدَ ) عليها رِعاءً ( يسْقُونَ ووَجَدَ من دونِهِمْ ) جارِيَتَيْنِ تزودان فسَأَلَهُمَا فقَالَتَا ( لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) وذَلِكَ انه كان جائِعًا خائِفًا لا يأْمَنُ فسَأَلَ ربَّهُ ولم يسْأَلْ الناس فلم يفْطِنْ الرِّعاءُ وفَطِنَتْ الْجارِيتَانِ فلما رجَعَتَا إلى أبِيهِمَا أخْبَرَتَاهُ بِالْقِصّةِ وبِقَوْلِهِ فقال أَبوهُمَا وهو شعَيْبٌ هذا رَجلٌ جَائعٌ فقال لِإِحْدَاهمَا فَادْعيهِ فلما أَتَتهُ عَظَّمَتهُ وغَطَّتْ وَجهَهَا وقَالَتْ ( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فشَقَّ على موسَى حين ذكَرَتْ ( أجر ما سقيت لنا ) ولم يَجدْ بدًّا من ان يَتبَعَهَا انه كان بين الْجبَالِ جَائعًا مسْتَوْحِشًا فلما تَبعَهَا هبَّتْ الرّيحُ فجَعَلَتْ تَصْفقُ ثيَابَهَا على ظَهْرهَا فَتَصفُ له عَجيزَتَهَا وكَانَتْ ذاتَ عَجزٍ وجَعَلَ موسَى يعْرِضُ مرَّةً وَيَغضُّ أخْرَى فلما عيلَ صَبْرهُ نادَاهَا يا أمَةَ اللّهِ كونِي خَلْفي وَأَرينِي السَّمتَ بقَوْلِكِ ذا فلما دخل على شعَيْبٍ إذ هو بالْعَشَاءِ مهَيَّأً فقال له شعَيْبٌ اجْلسْ يا شابُّ فتَعَشَّ فقال له موسَى أَعوذُ باللَّهِ فقال له شعَيْبٌ لمَ أمَا أنت جَائعٌ قال بلَى وَلَكنِّي أخَافُ ان يَكونَ هذا عوَضًا لمَا سَقَيتُ لَهمَا وأنا من أَهلِ بَيتٍ لا نَبيعُ شيئا من دينِنَا بمِلْءِ الأرض ذهَبًا فقال له شُعيْبٌ لا يا شابُّ وَلَكنَّهَا عَادَتي وعَادَةُ آبَائي نقريء الضّيْفَ وَنُطْعمُ الطّعَامَ فجَلَسَ مُوسى فأَكَلَ ان كانت هذه الْمائَةُ دينَارٍ عوَضًا لمَا حدَّثْتُ فالْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخنْزِيرِ في حالِ الاضْطِرَارِ أحَلُّ من هذه وان كان لحَقٍّ في بيْتِ الْمالِ فَلي فيها نُظرَاءُ فَإنْ ساوَيْتَ بيْنَنَا وَإلَّا فلَيْسَ لي فيها حاجَةٌ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 165
648 أخبرنا أبو عُثْمانَ الْبَصْريُّ عن عبد الْعَزيزِ بن مُسلِمٍ القَسْمَلِيِّ انا زَيدٌ العَمِّيُّ عن بَعضِ الفُقَهَاءِ انه قال يا صاحِبَ العِلْمِ اعمَلْ بِعِلمِكَ وَأَعطِ فَضلَ مالِكَ وَاحبِسْ الفَضْلَ من قَولِكَ الا بِشَيءٍ من الحديث يَنفَعُكَ عِندَ ربِّكَ يا صاحِبَ العِلْمِ ان الذي عَلِمتَ ثمَّ لم تَعمَلْ بهِ قاطِعٌ حُجّتَكَ وَمَعذِرَتَكَ عِندِ ربِّكَ إذا لقِيتَهُ يا صاحِبَ العِلْمِ ان الذي أُمِرتَ بهِ من طاعَةِ اللّهِ لَيَشغَلُكَ عمَّا نهِيتَ عنه من مَعصِيَةِ اللّهِ يا صاحِبَ العِلْمِ لا تكُونَنَّ قوِيًّا في عمَلِ غَيرِكَ ضعِيفًا في عمَلِ نَفسِكَ يا صاحِبَ العِلْمِ لا يَشغَلَنَّكَ الذي لِغَيرِكَ عن الذي لك يا صاحِبَ العِلْمِ عظم العُلَمَاءَ وَزَاحِمهُمْ وَاستَمِعْ منهم ودَعْ مُنازَعَتَهُمْ يا صاحِبَ العِلْمِ عظِّمْ العُلَمَاءَ لِعِلمِهِمْ وصَغِّرْ الجُهَّالَ لِجَهلِهِمْ ولا تُبَاعِدهُمْ وَقَرِّبهُمْ وَعَلِّمهُمْ يا صاحِبَ العِلْمِ لا تُحدِّثْ بِحدِيثٍ في مَجلِسٍ حتى تَفهَمَهُ ولا تجِبْ امرَأً في قَولِهِ حتى تَعلَمَ ما قال لك يا صاحِبَ العِلْمِ لا تغْتَرَّ بِاللّهِ ولا تغْتَرَّ بِالنّاسِ فإن الْغِرّةَ بِاللّهِ ترْكُ أمْرِهِ والْغِرَّةَ بِالنّاسِ اتِّباعُ هواهم واحْذَرْ من اللّهِ ما حذَّرَكَ من نفْسِهِ واحْذَرْ من الناس فِتْنتَهُمْ يا صاحِبَ الْعلْمِ انه لا يكْمُلُ ضوْءُ النّهَارِ الا بِالشّمْسِ كذَلِكَ لا تكْمُلُ الْحِكْمةُ الا بِطاعَةِ اللّهِ يا صاحِبَ الْعلْمِ انه لا يصْلُحُ الزّرْعُ الا بِالْماءِ والتُّرَابِ كذَلِكَ لا يصْلُحُ الْإِيمانُ الا بالْعِلْمِ والْعَمَلِ يا صاحِبَ الْعلْمِ كلُّ مُسافِرٍ مُتزَوِّدٌ وسَيَجِدُ إذا احْتاجَ إلى زادِهِ ما تزَوَّدَ وكَذَلِكَ سيَجِدُ كلُّ عامِلٍ إذا احْتاجَ إلى عمَلِهِ في الْآخِرةِ ما عمِلَ في الدُّنْيا يا صاحِبَ الْعلْمِ إذا أرَادَ الله ان يحُضَّكَ على عِبادَتِهِ فاعْلَمْ انه إنما أرَادَ ان يُبيِّنَ لك كرَامَتَكَ عليه فلا تحَوَّلَنَّ إلى غيْرِهِ فتَرْجِعَ من كرَامَتِهِ إلى هوَانِهِ يا صاحِبَ الْعلْمِ انك ان تنْقُلْ الْحِجارَةَ والْحَدِيدَ أهْوَنُ علَيْكَ من ان تُحدِّثَ من لا يقبل حدِيثَكَ ومَثَلُ الذي يحدث من لا يقبل حَديثَهُ كمَثَلِ الذي ينَادِي الْمَيّتَ ويَضَعُ الْمَائدَةَ لأَهْلِ الْقبُورِ
سنن الدارمي جزء 1 صفحة 166
