إعـــــــلان

تقليص
1 من 2 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 2 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

الصبر | مجالس العقيدة (٢٧) | أ.د. صالح سندي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [صوتية وتفريغها] الصبر | مجالس العقيدة (٢٧) | أ.د. صالح سندي

    بسم الله


    تفريغ
    مجالس العقيدة (٢٧) | أ.د. صالح سندي

    مجالس. مجالس العقيدة. إذاعة القرأن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.

    ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.

    مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.

    الشيخ : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، أما بعد. فمرحبا بالاخوة جميعا في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة ويسعدني أن أرحب برفيقي فيها. الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا وأهلا.

    المحاورين : الله يحييك شيخنا والله يحييكم شيخنا.

    الشيخ : كان الحديث في الحلقة الماضية عن الصبر ولما ننتهي منه ونستعين بالله جل وعلا في استكمال ما بقي من مسائله.

    المحاور : أحسن الله إليكم. لعل البداية تكون بمسألة مهمة وهي هل يثاب الإنسان على المصيبة إضافة إلى تكفير سيئاته؟

    الشيخ : التحقيق في هذه المسألة أن المصائب تنقسم إلى قسمين. القسم الأول المصائب أو الأمور المؤذية التي هي نتيجة لعمل صالح ومسببة عن عمل صالح، فهذه يثاب عليها الإنسان بلا ريب. قال تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين). وقال سبحانه (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) أي من الثواب إذا ما ينال الإنسان من تعب ومشقة بسبب صيامه، أو بسبب وضوئه في ليلة باردة، أو بسبب مشيه في شدة الحر إلى بيوت الله، أو ما يلقاه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة، فهذه يثاب عليها الإنسان قطعا إذا كان مخلصا لله في عمله. القسم الثاني المصائب المؤذيات التي ليس للإنسان يد فيها، كأن يصاب بفقد ولد أو حبيب، أو يصاب بمرض، أو عين، أو يصاب بحريق بيته، أو فقد ماله، أو خسارة تجارته، إلى أخر ما هنالك، هذه محل اختلاف بين أهل العلم إذ لهم فيها قولان. القول الأول أن المصائب الدنيوية ليست سببا للثواب، إنما تكون من حيث هي سببا لتكفير السيئات، لكن أن يكون ذلك أيضا سببا للثواب فهذا غير صحيح إنما لو صبر الإنسان يثاب على الصبر لا على المصيبة. قالوا قاعدة الشرع قد دلت على أن الثواب لا يكون إلا على أمر وجودي، بمعنى لا يكون إلا عن عمل صالح فعله الإنسان، أو تولد من فعله، أو كان هذا هو السبب له. اما امر لا يد للإنسان فيه فلا إثابة لأجله. وهذا القول اختاره جماعة من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين. والقول الثاني أن المصائب سبب للثواب. أي أن المصائب تجمع بين كونها سببا للتكفير، وسببا لنيل الثواب أيضا. وإن صبر المبتلى أثيب ثوابا ثالثا. وهذا ما اختاره طائفة من العلماء بل نسب للجمهور.

    المحاور : وما أرجح القولين. أحسن الله إليكم.

    الشيخ : الذي يظهر. والله تعالى أعلم. أن المصيبة إذا نزلت بالإنسان فهو واحد من اثنين إما أن يكون صابرا، وإما أن يكون جازعا ساخطا. فان كان صابرا فهو مثاب بالاتفاق لانه صابر فيكون الثواب حاصلا بسبب الصبر وهذا ما لا خلاف فيه. أما إذا كان جازعا ساخطا فلا يمكن أن يقال إنه في هذه الحال يكون مثابا، بل الدليل قد دل على انه يكون اثما. فقد أخرج الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).

    المحاور : هل من تعليق على الحديث السابق؟( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) فإن فيه تسلية عظيمة لأهل الابتلاءات.

    الشيخ : نعم يا دكتور. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث (ان عظم الجزاء مع عظم البلاء) والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أيضا كما في صحيح البخاري. (من يرد الله به خيرا يصب منه). ولذلك كان أعظم الناس مصيبة وابتلاء. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد وغيره بإسناد حسن. (أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) إذا عظم الثواب مع عظم البلاء. كلما ارتفعت درجة الإنسان كلما كانت المصيبة في حقه أعظم، حتى إن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان مرضه في شدته كمرض رجلين، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا؟ (قال أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) قلت ذلك أن لك أجرين. (قال أجل ذلك كذلك). والحديث متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا لما كان صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق منزلة ومكانة عند ربه، كان بلاؤه صلى الله عليه وسلم أشد من غيره لأن أجره عند الله أعظم. إذا فليبشر أهل البلاء الصابرون بأن الله أراد بهم خيرا. الله سبحانه اذا اراد بعباده خيرا ابتلاهم. ثم تكون النتيجة بعد ذلك ان من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط فجزاؤه يكون وفاقا فالذين رضوا عن الله يرضى عنهم والذين سخط يسخط عليهم.

    المحاور : وهذا الموضع من الحديث. أحسن الله إليكم. يجرنا الكلام عن مسألة الرضا بالقدر وهي مسألة مهمة، فهل الرضا واجب أو ليس بواجب؟

    الشيخ : عندنا هنا درجتان صبر ورضا. الدرجة الأولى الصبر على المقدر. وقد علمنا أن الصبر واجب. الدرجة الثانية هي درجة الرضا وهي أرفع من درجة الصبر. لكن هل هذا الرضا واجب أم مستحب؟ لا بد هنا من التفصيل. الرضا له طرفان. الطرف الأول الرضا عن قدر الله سبحانه القائم به، أي تقديره الذي هو فعله. هذا واجب بالاتفاق. يجب على الإنسان أن يرضى عن فعل الله وعن تقديره، ويجب أن لا يسخط فعله تعالى ولا يعترض عليه، بل يجب أن يعتقد أن في تقديره سبحانه الخير كل الخير، والحكمة كل الحكمة. أما الطرف الثاني وهو محل البحث الرضا بالمقدور أي بالمصيبة بمعنى نزلت به مصيبة من فقد مال أو سرقة بيت أو فقد ولد. صبره ها هنا واجب. لكن هل رضاه بهذا الذي نزل به واجب أم لا؟ هذا هو محل البحث.

    المحاور : أحسن الله إليكم. قبل هذا. ما الفرق بين الصبر والرضا؟

    الشيخ : قال العلماء كعمر بن عبد العزيز وابن المبارك وغيرهما رحمهم الله. الفرق بينهما أن الراضي لا يتمنى تغير الحالة التي هو عليها، وأما الصابر فإنه بخلاف هذا الصبر هو الحبس الصابر حبس نفسه عما لا ينبغي عند حلول المصيبة حبس قلبه عن اعتقاد ما لا يحل، حبس لسانه عن قول ما لا يحل، حبس جوارحه عن فعل ما لا يحل، لكنه يتمنى أن تزول هذه المصيبة. أما الراضي فإنه لا يتمنى زوال الأمر الذي قدره الله سبحانه له ولو كان مؤلما. قال ابن رجب رحمه الله ولهذا قال طائفة كثيرة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز والفضيل، وأبو سليمان وابن المبارك وغيرهم. إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر. وقد روي عن طائفة من الصحابة هذا المعنى أيضا، وأنهم كانوا لا يتمنون غير ما هم عليه من الحال. منهم عمر وابن مسعود رضي الله عنهما.

    المحاور : أحسن الله إليكم. قد يقول قائل هل في هذا منافاة للأمر الجبلي وهو الشعور بالالم؟

    الشيخ : الجواب بالتأكيد لا. لا يعني هذا أن الراضي لا يشعر بالألم لأنه بشر. ولكن كما قال العلماء كم من أجساد بالألم محشوة وقلوب بالرضا محشوة. يمكن أن يجتمع الأمران. يكون جسده متألما لكن قلبه راض ساكن مطمئن لأنه يوقن أن هذا تقدير ذو الحكمة البالغة والرحمة الواسعة جل في علاه. فلذا لا يتمنى زوال ذلك المؤلم وإن وجد الإحساس بالألم لأن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة. وهذه على كل حال درجة عالية رفيعة لا يصل إليها إلا الكمل من أهل الإيمان، ومن دونهم قد لا يحسن تصورها فضلا عن القيام بها، والله المستعان. يقول ابن القيم رحمه الله في المدارج. الرضا يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيب النفس وسكونها في كل حال، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلك من أمور الدنيا وبرد القناعة، واغتباط العبد بقسمه من ربه، وفرحه بقيام مولاه عليه، واستسلامه لمولاه في كل شيء، ورضاه منه بما يجريه عليه، وتسليمه له الأحكام والقضايا، واعتقاد حسن تدبيره، وكمال حكمته. ويذهب عنه شكوى ربه إلى غيره وتبرمه بقضيته. ولهذا سمى بعض العارفين الرضا حسن الخلق مع الله، فإنه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه، وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه. إلى أن قال في بيان حال الراضي. ولا يقول الفقر بلاء. والعيال هم وغم، ولا يسمي شيئا قضاه الله وقدره باسم مذموم إذا لم يذمه الله سبحانه وتعالى. فإن هذا كله ينافي رضاه. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله. أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القدر. انتهى كلامه رحمه الله.

    المحاور : أحسن الله إليكم هذا القدر الذي هو الرضا بالمقدور هل هو واجب أو لا؟

    الشيخ : نعم نعود إلى ما بدأنا منه. ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الرضا بالمقدور واجب، واستدلوا بهذا الحديث السابق. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه مستحب وليس بواجب الواجب الصبر، أي أن يحبس نفسه عما لا يحل. أما أن يرضى بالمصيبة فهذه الدرجة أعلى وأرفع، فهي مستحبة لا واجبة لأنه لم يأت في الأدلة ما يدل على الإيجاب. إنما جاء الثناء والمدح على من قام بهذا، وهذا ما اختاره بعض المحققين من أهل العلم. وهذا فيما يظهر والله أعلم أنه الأقرب، وإلا فلو قيل بايجاب الرضى لكان في هذا تكليفا بأمر عظيم يشق على أكثر الناس، لكن من جاهد نفسه فوصل إليه فليبشر بالخير الجزيل، ونيل رضا الله سبحانه. وقد أحسن السفاريني حين قال. وليس واجبا على العبد الرضا بكل مقضي ولكن بالقضاء.

    المحاور : وعليه فكيف يوجه الحديث السابق. (فمن رضي فله الرضا. ومن سخط فله السخط).

    الشيخ : يوجه بناء على هذا بأن يقال. إن الرضا والسخط ها هنا تعلق بتقدير الله لا بالمقدور. أي من رضي بتقدير الله وفعله فله الرضا، ومن سخط فله السخط.

    المحاور : أحسن الله إليكم عودا على أقسام الصبر الثلاثة التي مضى ذكرها في الحلقة السابقة، وهي الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والصبر على المقدور. فأي هذه الأقسام هو الأفضل؟

    الشيخ : اختلف العلماء في هذه الأقسام أيهما أفضل؟ والأقرب والله أعلم أن الصبر على الطاعة، وأن الصبر عن المعصية أعظم وأفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، ذلك أن الصبر على الطاعة وعن المعصية صبر اختياري. أما الصبر على أقدار الله المؤلمة فالصبر اضطراري، بمعنى أن الإنسان لا مندوحة عنده إذا نزلت المصيبة إلى أن يصبر فهو مضطر إلى هذا الصبر، فإما أن يصبر طاعة لله سبحانه فيفوز بالأجر، أو أنه سيتحمل ما يأتيه، ولا شيء في يديه يدفع به هذا القدر المؤلم. إذن الصبر على الطاعة وعن المعصية أفضل.

    المحاور : أحسن الله إليكم، وأي هذين أفضل؟

    الشيخ : قال بعض أهل العلم إن الصبر عن المعصية هو الأفضل، ذلك أن الداعي الى المعصية أعظم، حيث ان الداعي إلى المعصية هو الشهوة والهوى. وعليه فالإنسان يحتاج إلى مجاهدة عظيمة حتى يصبر عن المعصية. ولذا قال بعض أهل العلم لا يصبر على المعاصي إلا الصديقون. أما ترك الطاعة فإنما يدعو إليه الكسل والبطالة والشهوة والهوى أعظم تأثيرا في النفس من الكسل والبطالة. فكان الصبر عن المعصية أعظم من الصبر على الطاعة. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم بل الصبر على الطاعة أعظم من الصبر عن المعصية. ذلك أن جنس فعل الطاعة أفضل من جنس ترك المعصية. فلما كان ذلك كذلك كانت الوسيلة المؤدية إلى الأعظم أعظم. وعليه فالصبر على الطاعة أفضل. والتحقيق في هذا هو ما حرره ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين وهو التفصيل. فالصبر على الطاعة العظيمة أعظم من الصبر عن المعصية الصغيرة. كما ان الصبر عن المعصية الكبيرة أعظم وأفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة، بمعنى صبر الإنسان على أداء الصلاة المفروضة. وصوم رمضان والحج أفضل من الصبر عن معصية صغيرة، كما أن صبر الإنسان عن مواقعة كبيرة من كبائر الإثم والفواحش أفضل من صبره على أدائه صلاة الضحى. أو قيام الليل مثلا. هذا هو التحقيق في هذه المسألة. والله أعلم.

    المحاور : أحسن الله إليكم. لعلنا ننتقل للكلام عن القسم الثاني وهو الصبر على طاعة الله.

    الشيخ : نعم هذا كما تقدم من أعظم أنواع الصبر وأهمها. لن يقوم العبد بما يجب عليه من حق ربه ما لم يصبر. يقول سبحانه واصبر لحكم ربك. الصبر ملاك استقامة الأعمال ومصدرها، فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنه الحسنات والفضائل بسهولة، ولذا قال تعالى إن الإنسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. وهذا النوع يشمل ثلاثة أقسام وهي. صبر على الطاعة قبل أدائها، وصبر على الطاعة أثناء أدائها. وصبر على الطاعة. بعد أدائها. وكل واحد من هذين يندرج فيه أمران.

    المحاور : إذن نبدأ بتفصيلها بعون الله.

    الشيخ : النوع الأول الصبر على الطاعة قبل أدائها ويشمل أمرين. أولا الصبر على تعلم الطاعة وفق الشريعة حتى يؤديها العبد على نور من الله. وهل هذا الأمر هين أو يحتاج إلى صبر؟ لا شك انه يحتاج إلى صبر. وكثير من الناس لا يتحلون بهذا الصبر. لا يصبر على ان يتعلم الطاعة حتى يؤديها وفق السنة. ولذا تكثر الأخطاء. ويكثر الوقوع فيما قد يبطل العبادة. أو يضعف ثوابها. والسبب الجهل. السبب أنه ما كان هناك صبر على التعلم. انظر إلى هذه العبادة التي يتوجه بها المسلم إلى الله كل يوم وجوبا خمس مرات. عبادة الصلاة. كم من الناس صبر على ان يتعلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو الذي قد قال صلوا كما رأيتموني أصلي. كم الذين جلسوا لتعلم كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا؟ هذا أمر يحتاج إلى صبر. ثانيا الصبر على تصحيح النية قبل أدائها. وهذا أيضا أمر يحتاج إلى مجاهدة عظيمة وصبر كبير. النية من أصعب ما يعالجه الإنسان لأنها تتلون وتتغير وينبت التغير في القلب كل حين. وهذا المقام إذن يحتاج إلى صبر ومجاهدة. قال سفيان الثوري رحمه الله ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تفلت علي النيات وتتقلب. وعليه فيحتاج الإنسان إلى صبر عظيم حتى يصحح النية ويخلصها. هذان نوعان من الصبر قبل الطاعة. ثانيا الصبر على الطاعة أثناء أدائها ويشمل أمرين. أولا الصبر على أدائها وفق ما أمر الله تعالى. هذا أمر يحتاج الى صبر. فكون الإنسان يؤدي العبادة على الوجه الكامل قدر الإمكان باستجماع الشروط والواجبات والأركان والسنن ألا يحتاج إلى صبر كثير من الناس مع الأسف الشديد؟ العبادة كأنها حمل ثقيل على ظهورهم، يريدون أن يتخلصوا منه، إذا المقام يحتاج إلى قدر كبير من الصبر أن يتأنى المسلم أن يحرص على أن يؤدي العبادة وقد حسنها وكملها.

    هذا يحتاج إلى صبر. الأمر الثاني الصبر على مراقبة المعبود سبحانه أثناء العبادة، وهذا أصعب من الأول. قال ابن القيم رحمه الله في عدة الصابرين فليس الشأن في فعل المأمور، بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الأمر حال الإتيان بأمره، بل يكون مستصحبا لذكره في أمره، فهذه عبادة العبيد المخلصين لله. انتهى كلامه رحمه الله. يريد رحمه الله أنه ليست العبرة في العبادة بقدر ما هي في مراقبة من تعبد. حال عبادته هذا أمر عظيم. الخشوع وحضور القلب واستشعار عظمة. أن ينصب العبد بالعبادة أمام إلهه ومعبوده جل في علاه. هذا أمر ليس بالهين بل يحتاج إلى صبر ومجاهدة. ولذا كان (الخشوع أول ما يرفع من هذه الأمة). كما روي مرفوعا وموقوفا. كذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكتب للمصلي إلا ما كان محضرا قلبه فيه، فقال صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد وأبي داود إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها. إذن الأمر عظيم، يحتاج المرء إلى مجاهدة وصبر في إحضار قلبه، وحجزه عن أن يسرح في غير عبادته. حتى يكون عابدا لله كأنه يراه. فإن لم يصل إلى هذه المرحلة فلا اقل من ان يكون عابدا له وهو يستحضر ان الله هو الذي يراه.

    المحاور : إذن هذا هو القسم الثاني وهو الصبر على الطاعة أثناء أدائها. ماذا عن القسم الثالث؟

    الشيخ : القسم الثالث. الصبر على الطاعة. بعد أدائها

    المحاور : العبادة قد انتهت فكيف يصبر على شيء مضى وانقضى؟

    الشيخ : سأوضح هذا لك يا رعاك الله. هذا القسم كسابقيه يندرج فيه أمران. أولا الصبر عن الوقوع فيما يحبط ثواب الطاعة، فإن الأدلة قد دلت على أن المعصية المتأخرة قد تحبط ثواب حسنة متقدمة. وعلى هذا اجماع أهل السنة والجماعة. العبادة أيها المسلم إذا أديتها فهي أعظم رأس مال عندك، وكل حصيف يحرص على أن يحافظ على رأس ماله، أليس كذلك؟ بلى. عملك الصالح الذي وفقك الله إليه، هذا أعظم رأسمال عندك، إذا أنت بحاجة إلى المحافظة عليه، وهذا الأمر أعز شيء في العابدين. أعني أن يحافظ على ثواب طاعته. فلا يأتي بعدها بما يبطلها. أو يضعفها. ومن هذا الباب قوله تعالى. يا ايها الذين امنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى. ثانيا أن يصبر عن العجب بها والإخبار بها. قد يرد على العابد بعد العبادة شيء من النشوة. والعجب بأنه قد قام بكذا وفعل كذا، فيقع في نفسه ما يقع من الإعجاب والزهو، وهذا من سفه العقل في حقيقة الحال. أي إعجاب للإنسان في أن يرى أنه قد قام لربه بما هو مستحق عليه بموجب كونه عبدا له، والمنة منه عليه مع ما فيه من القصور والتقصير. لا يعجب بعمله، ويدل على ربه به إلا من سفه نفسه. فالواجب على العبد أن يجاهد نفسه على استحضار منة الله عليه والإيقان بأنه ليس منه شيء ولا إليه شيء، فالأمر كله فضل من الله ونعمة. (والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا). كما أن عليه أن يجاهد نفسه على الصبر على كتمانها وعدم التسميع بها. والإخبار شتان كما سبق بين ديوان السر وديوان العلن. كلما كنت أحرص على أن لا يطلع على عبادتك إلا من تعبدت له، كان هذا أقرب إلى القبول، وأوفر في الأجر.

    المحاور : مقام الصبر على الطاعة مقام عظيم، ويحتاج إلى مجاهدة للنفس ومسايرة لها.

    الشيخ : صدقت يا دكتور. ولذا وجدنا الله جل وعلا يقول (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته). هذا كلام حق ليس بالهزل. واصطبر لعبادته الاصطبار افتعال من الصبر. والأصل في هذه الكلمة اصطبار صاد بعدها تاء، لكن لصعوبة نطق التاء بعد الفاء قلبت التاء طاء فقيل اصطبر واصطبار الاصطبار شدة الصبر على الأمر الشاق، لأن صيغة الافتعال ترد لإفادة قوة الفعل. وكان الشأن أن يعد الاصطبار بحرف علة، كما قال تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها). لكنه عدي هنا باللام لتضمنه معنى الثبات أي يثبت للعبادة لأن العبادة مراتب كثيرة تحتاج إلى مجاهدة النفس وثبات العزيمة، فنزل القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه، فعدي الفعل باللام كما يقال أثبت لعدوك فإبليس ونفسك يغلبان فاثبت ولا تهن. غير أن الله سبحانه يخفف على من شاء من عباده حتى تعود العبادة قرة أعينهم ولذة قلوبهم، (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين). اللهم اجعلنا منهم.

    المحاور : أحسن الله إليكم. القسم الثالث من أقسام الصبر. الصبر عن المعصية. ما الذي يحفز إليه ويسهله على النفس.

    الشيخ : الصبر عن المعصية له شأن عظيم، والمسلم قد يعالج الشدة في أخذ نفسه به. لكنه صبر يعقب السعادة والفوز العظيم. المؤمن في صبره عن المعاصي كالمداوي جرحه. يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء. ومن صَدَق صُدِق. ومن نوى الصبر عن معاصي الله. أعانه الله على ذلك. وعصمه منها ويحفز إليه ويخففه أسباب عدة. أولا علم العبد بقبح المعاصي ورذالة ودناءتها وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل. فاستحضار هذا مما يعين على الصبر عنها. ثانيا الحياء من الله - سبحانه- فإن العبد الحي الحيي متى علم أنه بمرأى من ربه ومسمع استحيا منه فسهل عليه الصبر عن المعصية. ثالثا مراعاة نعم الرب العظيم وإحسانه، فإن الذنوب تزيل النعم. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما [لا يغير ما بهم من النعمة حتى يعملوا بالمعاصي، فيرفع الله عنهم النعم]. قال بعض السلف [أذنبت ذنبا فحرمت قيام الليل سنة]. وقال أخر [أذنبت ذنبا فحرمت فهم القرءان]. وفي مثل هذا قد قيل: [إذا كنت في نعمة فارعها*** فإن المعاصي تزيل النعم]. المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب. عياذا بالله من زوال نعمتك وتحول عافيتك. استحضار هذا أيضا مما يسهل الصبر عن المعاصي. رابعا محبة الله. وهذا أقوى الأسباب المعينة على الصبر عن مخالفته ومعصيته. فإن المحب لمن يحب مطيع. وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضائه للطاعة وترك المخالفة أقوى وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة. وفي هذا قال عمر رضي الله عنه [نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه].

    يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته. إذا لم يعمل القلب بشيء كالمحبة المقترنة بجلال الله وتعظيمه. لكن انتبه. المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر مالم يقترن بها إجلال المحبوب سبحانه وتعظيمه. فإذا قارنها الإجلال والتعظيم أوجبت الطاعة وحبس النفس عن المعصية. قد يفتش العبد قلبه فيرى فيه نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على الصبر عن معاصيه، وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم. الأمر الخامس وهو الجامع لما سبق ثبات شجرة الإيمان في القلب. فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه. كلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتم، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر إن باشر قلبه الإيمان، أعني الإيمان بعظمة الله وصفاته وجلاله وقيوميته، وباشر قلبه الإيمان بحرمة ما حرم، وباشر قلبه الإيمان ببغضه له ومقته لفاعله، وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار. امتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم فصبر عما حرم ربه عليه. إن من علم أنه لا يصبر على النار صبر عن معصية الجبار. إذا لا سبيل إلى الظفر بالصبر عن المعاصي إلا بقوة الإيمان. هذا هو الأمر باختصار. من ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط. فإذا قوي سراج الإيمان في القلب أضاءت جهاته كلها به، وأشرق نوره في أرجائه. سرى ذلك النور إلى الأعضاء وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان وانقادت له طائعة غير متثاقلة. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

    المحاور : أحسن الله إليكم بعد أن علمنا أنواع الصبر الثلاثة. هل من وقفة مع قوله تعالى ولربك فاصبر.

    الشيخ : أقرب كلام أهل التفسير في معنى هذه الاية العظيمة أن فيها بيان أن الصبر النافع هو ما كان العبد فيه مخلصا لله، أي صبر لوجهه وطلبا لرضاه، وما لم يكن كذلك كان تجلدا لا ينفع العبد. ويؤيده قوله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) إلى أن قال (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار). قال العلماء في معنى الآية والذين صبروا أي على المأمورات بالامتثال وعن المنهيات الانكفاف عنها والبعد عنها وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم سخطها، ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر ابتغاء وجه ربهم لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للتقرب إليه والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان. وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة. اللهم أفرغ علينا صبرا، واجعلنا ممن يصبر ابتغاء وجهك وممن يقول الملائكة لهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.

    قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. برنامج مجالس العقيدة إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبدالعزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
يعمل...
X