إعـــــــلان

تقليص
1 من 2 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 2 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

مجالس العقيدة ح28 حديث عن القلوب ج1 | ا.د صالح سندي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [صوتية وتفريغها] مجالس العقيدة ح28 حديث عن القلوب ج1 | ا.د صالح سندي

    بسم الله

    تفريغ مجالس العقيدة ح28 حديث عن القلوب ج1

    مجالس. مجالس العقيدة. اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.

    (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين).

    مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.

    الشيخ : الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين. مرحبا بالإخوة المستمعين الأخوات المستمعات في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة. ويسعدني أن أرحب برفيقي فيها الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا وأهلا.

    المحاورين - حياكم الله شيخنا. الله يحييكم شيخنا وبارك فيكم.

    الشيخ - هذه الحلقة حديثنا فيها حديث عن القلوب. وهو حديث في غاية الأهمية.

    المحاور - صدقتم شيخنا. الكلام عن القلوب في غاية الأهمية.

    الشيخ - نعم فشأن القلب شأن عظيم. فإنه قد خلق للهجره الى الله تعالى ومحبته والاقبال عليه. وهو موضع نظره سبحانه. وهو وعاء التقوى والعقل. ومحل الابتلاء والتمحيص. وموطن الذكر والغفلة. والاصل ان ما يقوم به من اعمال اهم مما يقوم بالجوارح اذ هو ملك الاعضاء. والعبودية عليه اولا وعليها تبعا. بصلاحه تصلح وبفسادها تفسد. واذا استنار استنارت. واذا أظلم اظلمت. كما ان للقلوب احوالا ودخائل وأسرارا وعجائب. فهي تبصر وتعمى. وتصح. وتمرض. وتحيا. وتموت. وتبيض. وتسود. وتستقيم. وتزيغ وتتطهر. وتتنجس. وتنشرح. وتضيق. وتلين. وتغلظ. وتثبت. وتتقلب. وتغتني. وتفتقر وتأتلف وتتنافر. كما أن لها مؤثرات تؤثر فيها. وأقفال. وأكنة تجعل عليها. وقد يختم عليها ويطبع في مباحث ومقامات ومسائل وأحكام يعسر إحصاؤها مع جليل قدرها.

    المحاور - إذا الإحاطة بهذه الأمور حقا من الأهمية بمكان الشيخ - بلا شك.

    ففقه القلوب وأحوالها وأحكامها رتبة رفيعة منيفة ومباحثه كريمة شريفة. وفوائده جليلة لطيفة. وحري بكل مسلم يسعى لنجاته أن يكون ذا عناية به لشدة حاجته اليه. اذ مدار السعادة والشقاوة على استقامة القلب او زيغه. فليس أنفع للعبد من أن يكون قلبه حيا زكيا لينا صحيحا. فهذا ومقلب القلوب. علم نجاته وعنوان سعادته.

    المحاور - قبل أن نسترسل شيخنا. ثمة سؤال لا بد منه. في البداية نحن نتحدث عن القلب. فما هو القلب؟

    الشيخ - سؤال مهم بالتأكيد يراد بالقلب معنيان. الأول القلب الحسي وهو العضو المعروف أعني العضو اللحمية الصنوبري. الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو العضو الرئيس في الجسم لأنه المضخة التي تمده بالدم ولا يختص بالإنسان، بل حتى الحيوان له قلب بهذا المعنى، والقلب بهذا المعنى هو ما يبحث في شؤونه الأطباء وعلماء التشريح ونحوهم. المعنى الثاني القلب المعنوي. وقد عبر عنه بأنه لطيفة ربانية روحانية لها بالقلب الحسي تعلق واتصال. الله أعلم بكيفيته. وهذه اللطيفة أعني القلب المعنوي هي حقيقة الإنسانية، أي أنه بها كان الإنسان إنسانا وبها يستعد لاستقبال الأوامر واجتناب الزواجر، وهي منبع الأخلاق المرضية والأحوال الردية. وهذا المعنى هو المراد بالقلب في حديثنا بل وفيما جاء في القرآن والسنة. ومباحث العلماء إذا تعلق الكلام به مدحا أو ذما، أو من حيث بيان حياته ومرضه وصلاحه وفساده ونحو هذا.

    المحاور - جميل. أحسن الله إليكم. والان كيف سوف نبحر في هذا الموضوع الواسع؟

    الشيخ - ما رأيكم أن نجعل الموضوع على هيئة قواعد. فهو أحرى أن يضبط ويفصل القول في كل قاعدة بما ييسره الله.

    المحاور - على بركة الله. إذا نبدأ. القاعدة الأولى.

    الشيخ - القاعدة الأولى. زكاة القلب مثل نماء البدن.

    المحاور - أحسنتم شيخنا. زكاة القلب. مثل نماء البدن.

    والمراد ؟

    الشيخ - الزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح. يقال زكا الشيء إذا نمى في الصلاح فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح ويفلح. كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية المصلحة له. كثير من الناس يسعون ليلهم ونهارهم في العناية بأبدانهم وإصلاحها وتغذيتها ودفع الافات والامراض عنها. وربما قطعوا في هذا المفازات وانفقوا الاموال الطائلة. وهذا لا حرج فيه شرعا. الا ان المؤسف انهم لا يبذلون بعض هذا الجهد في العناية بقلوبهم وتغذيتها وإصلاحها والسعي في شفائها من أمراضها مع ان شأنها أعظم فإنها محل نظر ربهم سبحانه وعليها مدار سعادتهم او شقائهم. قال سبحانه (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصابعه إلى صدره).

    المحاور - وما معنى الحديث؟ أحسن الله إليكم.

    الشيخ - قال العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره <ليس المنفي هنا نظر الإدراك، فالله يرى كل شيء، إنما المنفي النظر الذي تترتب عليه المحبة>. وعودا على بدء أقول إن السعادة مقرونة بتزكية القلب وجودا وعدما. فما أصغر النفوس وأهلكها مثل معصية الله وما كبرها وشرفها وأسعدها مثل طاعة الله، قال سبحانه (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة). فالزكاة هنا كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وغيرهما [هي العمل بما يزكي النفس ويطهرها]، وهو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والناس يوم القيامة اثنان مجرم او متزكن. قال تعالى (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى). اذا علم هذا تبين اهمية هذا الموضوع وشدة الحاجة الى العناية به. فان القلب بحاجة ان يأخذ من الايمان والقرآن ما يزكيه ويؤيده كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه والا كان الهلاك. ولا بد مع ذلك من منع ما يضره فالتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير فلا بد في حصولها من ازالة الشر فالتزكية تجمع بين الامرين زيادة الخير وازالة الشر اذا يجب البدار الى حفظ القلوب بالعزلة عن كل ما يؤذيها.

    المحاور - أحسن الله إليكم. وما هو الشر الذي يمنع تزكية القلب؟

    الشيخ - المعاصي فالمعاصي بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن والدغل في الزرع، فإذا تخلص البدن من الأخلاط الرديئة نما وصح. كذلك القلب إذا جانب الذنوب أو تاب منها كان استفراغ من تخليطاته فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير، فاستراح من الجواذب الفاسدة، فلا سبيل إلى زكاة القلب إذا إلا بعد طهارته. وتأمل في هذا قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ذلك أزكى لهم). فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج.

    المحاور - أحسن الله إليكم شيخنا كيف الوصول إلى التزكية؟

    الشيخ - هذا سؤال كبير. لكن من المهم الآن أن نعلم أنه لا زكاة لقلب العبد وروحه مهما اجتهد. الا بتفضل الكريم سبحانه. فانه القائل. (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء). فلا مفلح إلا من زكاه ربه. إذ هو سبحانه المزكي. ومن زكاه فهو المتزكي. فليلجأ العبد إليه وليصدق في الطلب. وليبشر بفضله فسيفتح له من رحمته. وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. (اللهم ات نفسي تقواها. وزكها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها). أخرجه مسلم في الصحيح.

    المحاور - حفظكم الله. ذكرتم قبل قليل أن القلب بحاجة أن يتغذى. كما يتغذى البدن فباي شيء يتغذى؟

    الشيخ - بالإيمان والعمل الصالح. وأعظم شيء من هذا يتغذى به القلب. ويقوى أمران التوحيد والصلاة. أما التوحيد فهو الحبل الأوثق والسبب الأعظم لتزكية القلوب ونمائها. قال سبحانه (قد أفلح من تزكى). ومعنى تزكى كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من السلف [أي تطهر عن الشرك وقال لا اله الا الله وآمن ووحد]. وقال سبحانه امر نبيه موسى عليه السلام في دعوته فرعون إلى التوحيد (فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى) فلا تزكية ولا طهارة الا بالتوحيد والضد بالضد. قال تعالى إنما المشركون نجس. وقال تعالى (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة). قال أكثر المفسرين الزكاة في هذه الآية. التوحيد. قال ابن عباس رضي الله عنهما [هم الذين لا يشهدون ان لا اله الا الله]. فإن التوحيد يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق سبحانه من القلب وإثبات إلهيته وذلك طهارته، وهو أصل كل زكاة ونماء. فإن النفس ليس لها نجاة ولا سعادة ولا كمال الا بان يكون الله وحده محبوبها ومعبودهم الذي لا احب اليها منه. ولا اثر عندها من مرضاته والتقرب اليه.

    المحاور - هذا عن التوحيد. فماذا عن الصلاة؟

    الشيخ - الصلاة. أعظم أسباب زكاة القلب بعد التوحيد. فهي قوت القلوب وسبب صلاحها وكمالها. هذا إذا كانت صلاة ذات خشوع مؤداة على وفق السنة. وإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير جدا من الأكل. فالقلب لا يقتات بصلاة تنقر نقرا. بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب. وما أقل من يتنبه إلى هذا [الصلاة] كما قال السلف [مكيال فمن أوفى وفي له ومن طفف فقد علمتم وعيد المطففين]. الصلاة التي تغذي القلب حقا هي صلاة حاضر القلب المقبل على ربه في صلاته الذي أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه. فامتلأ من هيبته وذلت عنقه له. واستحيا منه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه. إنها الصلاة التي اجتهد صاحبها في تكميل خشوعها وشروطها وأركانها وواجباتها وما استطاع من سننها. إنها الصلاة التي أضحت قرة عين المصلي، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها. أخرج ابن أبي الدنيا عن عدي بن ثابت رحمه الله قال [كان يقال قربان المتقين الصلاة]. فيا أيها المسلم إن كنت تهتم لنجاتك فاهتم بصلاتك. أخرج البيهقي في الشعب عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال [يا ابن ادم اي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك].

    المحاور - أحسن الله إليكم. حبذا لو ذكرتم الخلاصة المستفادة من هذه القاعدة؟

    الشيخ - الخلاصة المستفادة من هذه القاعدة أنه إذا علم أن القلب بحاجة إلى أن يربى بالغذاء الروحي الإيماني، كما يحتاج البدن إلى أن يربى بالغذاء الحسي المادي، وأن الحاجة إلى زكاة القلب أعظم من الحاجة إلى زكاة البدن. فالمتعين إذا أن تكون زكاة القلب نصب عيني كل من يريد نجاة نفسه وسعادتها. نحن لا نغفل ولا ننسى أن نتناول وجبة، بل وجبات الطعام التي تقوت أبداننا يوميا، أليس كذلك؟ فعلينا أيضا أن لا نغفل ولا ننسى أن نتناول ما يقيت قلوبنا ويزكيها يوميا، وذلك بالاجتهاد في العمل الصالح ومجاهدة النفس على ترك الذنوب والتوبة منها. الوجبة الإيمانية لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا. ولنكن على ذكر أن السعادة في التزكية والشقاوة في التدسية (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).

    المحاور - جميل. أحسن الله إليكم. السعادة في التزكية والشقاوة في التدسية. هل ننتقل إلى القاعدة الثانية؟

    الشيخ - نعم. القاعدة الثانية القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره.

    المحاور - فالقلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره، هذه تحتاج إلى توضيح؟.

    الشيخ - بارك الله فيكم حبا وكرامة.

    القلب ليس له إلا وجهة واحدة، فإذا مال إلى جهة لم يمل إلى غيرها، قال تعالى. (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه). فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله، فهو إناء واحد، والأشربة متعددة، فأي شراب ملأه؟ لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتلئ الإناء بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليا، فأما إذا صادفه ممتلئا لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه. وعليه فليس للعبد قلبان. يطيع الله ويتبع أمره. ويتوكل عليه بأحدهما والآخر لغيره. بل ما ثم الا قلب واحد. فان لم يفرد بالتوكل والمحبة والتقوى ربه والا انصرف الى غيره. فاذا كان القلب مشغولا بالله عاقلا للحق المنزل منه متفكرا في العلم المقرب اليه، فقد وضع في موضعه لأنه لم يخلق الا لهذا. أما اذا لم يصرف الى معرفة الله ولم يعي الحق فقد نسي ربه. فلم يوضع القلب حينها في موضعه، بل هو ضائع. وهو مع ذلك ليس فارغا ولا خاليا. بل لا يزال في أودية الأفكار واقطار الأماني. وهذا من العجب. فسبحان ربنا العزيز الحكيم. وانما تنكشف للانسان هذه الحال عند رجوعه الى الحق. اما في الدنيا عند الإنابة او عند المنقلب الى الاخرة. فيرى سوء الحال التي كان عليها. وكيف كان قلبه ضالا عن الحق. والخلاصة أن ما سوى الحق باطل. فإذا لم يوضع الحق في القلب فسينغمس فيه الباطل، فالقلب إذا كان مقبلا على الحق والعلم والذكر معرضا عن غير هذا كان على الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام.

    فإن الحنف هو الميل عن الشيء بالإقبال على اخر. فالدين الحنيف هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه، وصاحبه هو معمور القلب بالعبودية، طاهر القلب عن سفساف الأخلاق من صار عبدا محضا لربه بروحه وقلبه وعقله وجوارحه، فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله، وإن عمل فبأمر الله فهو في كل حال وحين لله وبالله. وينبغي التنبه هنا الى امرين. الاول انه لما كان القلب محلا للمعرفة والقصد والمحبة والإنابة، وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها. إذا إذا أراد الله هداية عبده وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته، واذا اراد ضلاله. ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه. وكل اناء فارغ اذا دخل فيه الشئ ضاق به، وكلما أفرغ فيه الشئ ضاق الا القلب اللين فكلما افرغ فيه الايمان والعلم اتسع وانفسح. وهذا من ايات قدرة ربنا سبحانه فشرح القلب والصدر من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم. ان القلب للعلم والايمان كالإناء للماء والوعاء للعسل والوادي للسيل كما قال تعالى (انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها). وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين. (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير).

    الحديث. قال بعض السلف [القلوب آنية الله في أرضه وأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها]. وقد علق عليه أبو العباس بن تيمية رحمه الله بقوله. >وهذا مثل حسن. فإن القلب إذا كان رقيقا لين كان قبوله للعلم سهلا يسيرا، ورسخ العلم فيه وثبت وأثر، وإن كان قاسيا غليظا كان قبوله للعلم صعبا عسيرا، ولابد مع ذلك أن يكون زكيا صافيا سليما حتى يسكن فيه العلم ويثمر ثمرا طيبا، وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم، وكان الدغل في الزرع إن لم يمنع الحبة من أن ينبت مانعه من أن يزكو ويطيب. وهذا بين الأبصار<. انتهى كلامه رحمه الله. التنبيه الثاني. أنه متى ما وجه الإنسان همه إلى شيء كان له منه حجاب عن غيره. فالقلب إذا انصرف الى شيء انصرف عما سواه بحسب قوة انجذابه إلى هذا وإعراضه عن هذا، فإذا شغل بشيء من فتن الدنيا وشهوات النفس فاستولى على قلبه فهو حينها قد ضيع حقه. وفاته النظر فيما ينفعه، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض، لا يمكنها أن ترى ما أمامها، أو العين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء، فمن أراد صفاء قلبه وصلاحه فليؤثر الله على شهوته، فإن القلوب المتعلقة بالشهوات والشبهات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها.

    المحاور - القلوب المتعلقة بالشهوات والشبهات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها. لفتة مهمة. أحسن الله لكم.

    الشيخ - نعم. وكمال الحب في أن يحب العبد ربه - عز وجل - بكل قلبه. فلا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله. وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلا. وما دام القلب يلتفت إلى غيره سبحانه فزاويه من قلبه مشغولة بغيره، فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كما في الصحيحين (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة)، أي أن الملائكة الكرام يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟ وإذا كانت طهارة الثوب والبدن شرطا في صحة الصلاة، فإذا أخل بها كانت فاسدة، فكيف اذا كان القلب نجسا لم يطهره صاحبه. كيف يتم انتفاعه بصلاته؟ وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن؟ وإذا كان استقبال القبلة في الصلاة شرطا لصحتها، فكيف الظن بصلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن؟ إنما بدنه الى البيت وقلبه الى غير رب البيت؟ وعند الترمذي من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت). اعلم أيها الموفق أن توجه البدن الى القبلة في الصلاة واجب. وتوجه القلب الى الله أوجب وإلى ربك فارغب.

    المحاور - أحسن الله إليكم. فلننتقل الى القاعدة الثالثة.

    الشيخ - القاعدة الثالثة. القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه.

    المحاور - والقلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه. ما معنى هذا؟ أسأل الله لكم.

    الشيخ - الشرائع غذاء القلوب وقوتها. أخرج الدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (إن هذا القران مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو امن)، ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام أخر حتى إنه لا يأكل منه إن أكل الا بكراهة وتجشم وربما ضره أكله. وكذا العبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه. والقاعدة هنا أن من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور.

    المحاور - كلام دقيق. أحسن الله إليكم من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور. ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور؟

    الشيخ - نعم. لا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حضر. ولا يمكنه ترك كل ما حضر مع تركه لبعض ما أمر. فإن ترك ما حضر من جملة ما أمر به. فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم. وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فواجب فعله. تأمل معي قوله تعالى. (فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء). أي فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء. تأمل قوله سبحانه. (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون). فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه فمن لم يتبع أحدهما اتبع الاخر ولا بد.

    المحاور - فعلا هذا أمر واقع.

    الشيخ - صحيح.

    ولذا تجد من أكثر من سماع الغناء حتى استولى على قلبه. تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما ضاق بسماعه. ومن أكثر من السفر إلى زيارة القبور والمشاهد الشركية. لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. ومن أدمن أخذ الحكمة والاداب من كلام حكماء الشرق والغرب. لا يبقى لحكمة الاسلام وادابه في قلبه ذاك الموقع. ومن أدمن قراءة الروايات والقصص السخيفة لا يكاد يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام. وهكذا المشتغل بالبدع في عباداته تضعف عنايته بتطبيق السنة فيها. والذين يعرضون عن الدعاء المسنون والتوسل المشروع. لا يكادون يستعملون شيئا منها في دعائهم، بل الجاري على ألسنتهم غالبا أدعية اخترعوها وتوسلات ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان. ونظير هذا كثير. وصدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي رحمه الله حيث قال [ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة].

    المحاور - وهذا مما يدل على خطر البدعة.

    الشيخ - صحيح. ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع، لأن البدع لو خرج العبد منها كفافا لا عليه ولا له كان الأمر هينا، بل لا بد أن توجب له أنواعا من الفساد، ومنه نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين الجاهليين (كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى). والحديث عند النسائي. فاغتذاء قلب العبد من الأعمال المبتدعة مانع من الاغتذاء أو من كمال الاغتذاء بالأعمال الصالحة النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر، كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر. والخلاصة أن القلوب إذا تعوضت عن المشروع بغير المشروع وعن الحق بالباطل فترت عن الرغبة في الحق والمشروع، وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم أو كثير منه، فنقص بسبب ذلك تأثيرها في القلوب، فخسرت النفوس بهذا خسرانا مبينا. وأعظم من هذا أن من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق وبمحبته وخدمته، قال سبحانه (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) من عظم خوفه من غير الله. قل خوفه من ربه. ومن كثرت المحبوبات دون الله في قلبه نقصت محبة الله في قلبه. فعلى العاقل أن يجاهد نفسه فيفرغ قلبه من الاشتغال بالباطل والفكر فيه. وأن يسعى في أن يمحوه من نفسه كلما خطر له. فلا يلتفت إليه فضلا عن أن يملأ قلبه به. فهذا من أنفع الأدوية في صلاح القلوب. وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع الشر عنها. كما أن عليه أن يتسلح بالهمة العالية. فإن الذي يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته. والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات. كالطائر اذا علا وارتفع في الجو فات الرماة ولم تلحقه البنادق والسهام. وانما يصاد الطائر إذا لم يكن عاليا. فكذلك الهمة العالية تسلم من الجوارح والكواسر وإنما تلحق الافات الهمة النازلة. خذها قاعدة. >من علت همته سلم بتوفيق الله من الافات<.

    المحاور - أحسن الله اليكم من علت همته. سلم بتوفيق الله من الافات. هذا كلام نافع.

    الشيخ - المقصود أن اجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض. هو صحته وحياته ونعيمه. وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية. وهل شيء أعظم من قلب آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعي طبعه. فهو هارب الى ربه من بين تلك الجيوش، ومقبل عليه في تلك الزعازع والأهوية. وليعلم أن ثواب هذه الحال معجل في الدنيا قبل الآخرة، فإنه إذا أصبح القلب وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. أما إذا أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وانكادها ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم، فهو يكدح كدح الوحشي في خدمة غيره، ويبلي جسده في نفع غيره. أخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من كانت الاخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له). ويكفي في الإقبال على الله تعالى وانشغال القلب بحبه وذكره ثوابا عاجلا. ان الله سبحانه يقبل بقلوب عباده الى من أقبل عليه، كما انه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه، فإن قلوب العباد بيد الله لا بأيديهم. قال بعض السلف. ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. هذا ما تيسر في حدود وقت الحلقة. ولا يزال لنا بموضوع القلوب صلة في الحلقة القادمة إن شاء الله. أستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله.

    قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.

    الملفات المرفقة
يعمل...
X