بسم الله
تفريغ
مجالس العقيدة ح31 حديث عن الذنوب
مجالس. مجالس العقيدة. إذاعة القرأن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.
(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.)
مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، أما بعد. فحياكم الله في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة ويسعدني أن أرحب في مطلعها. برفيقي فيها الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا بالشيخين الكريمين.
الله يحييكم شيخنا.
أهلا وسهلا بكم شيخنا.
موضوعنا اليوم موضوع اعتقد اننا نحتاج اليه اشد الحاجة. ذلك اننا مقصرون في حق الله جل وعلا. وسيئاتنا سواء كانت تركا لواجب أو فعلا. لمحرم شيء لا يحصيه إلا الله. وكل واحد منا يدرك ذلك إن نحى عنه خداع النفس الكاذب. اذا لا امل لنا ان ننجو من تبعات ما اقترفنا الا ان يعفو الله ويكفر عنا سيئاتنا. فافتقارنا الى رحمة الله ومغفرته يفوق كل افتقار. القضية باختصار إما عفو الله وإما الهلاك. وإذا كان اول الرسل نوح عليه السلام يقول. (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.) فماذا عسانا نحن نقول (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.) إن أعظم ما يظفر به العبد مغفرة ذنبه فمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون، وإن لم يتفضل ربه عليه بها تمت خسارته. والله المستعان. موضوعنا اليوم إذن عن تكفير السيئات وأسباب التكفير وما يتعلق بهذا الموضوع.
موضوع مهم.أحسن الله إليكم. ولا شك في ذلك. لعل البداية تكون ببيان معنى تكفير السيئات.
تكفير السيئات يعني محوها. أي أنه ستر الذنب وتغطيته بحيث يصير بمنزلة ما لم يفعل. وقد ورد في النصوص كلمات أخرى بمعناه ومنها المغفرة والعفو. (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.)
وجميعها يختص الله عز وجل بها. أليس كذلك؟
لا شك. مغفرة الذنوب وتكفير السيئات شيء متعلق بمشيئة الله. وهو وحده من بيده ذلك. ومن سألها غيره كفر. وقد سمى سبحانه نفسه بالعفو والغفور والغفار. ووصف نفسه بالعفو والمغفرة. (ومن يغفر الذنوب الا الله). (غافر الذنب وقابل التوب). (إن ربك واسع المغفرة). والأدلة الدالة على وعده سبحانه عباده المؤمنين بتكفير السيئات. وغفران الذنوب كثيرة. ومنها قوله تعالى. (فالذين امنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم). وقوله. (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم). وقوله. (ولو أن أهل الكتاب امنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم).
ولذا حق للمسلم أن يسأل ربه تكفير سيئاته.
نعم صحيح. وهو أنفع دعاء له. وكم هي الأدلة الدالة على وصف المؤمنين بدعاء ربهم بتكفير السيئات وحضهم على ذلك. فمن دعاء المؤمنين (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار). وقال سبحانه (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم).
أحسن الله إليكم. لعلنا وصلنا إلى أهم ما في هذا الموضوع وهو أسباب تكفير السيئات. فما هي؟
تنبه يا رعاك الله ابتداء إلى أنه قد كان سبب تكفير السيئات فيمن كان قبلنا شديدة. فقد قال سبحانه في شأن توبة بني إسرائيل. (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال سفيان بن عيينة رحمه الله التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. انتهى كلامه. فالحمد لله الرحيم الغفار الذي وضع عنا الأغلال وحط عنا الآصار. لقد دلت الأدلة الكثيرة على أن تكفير السيئات قد يكون بأسباب جعلها الله وسائل للتكفير، وله في ذلك حكمة بالغة، وقد يكون التكفير بمحض رحمته سبحانه وهو أرحم الراحمين الذي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تعالى تنال من شاء من عباده في الدور الثلاث الدنيا والبرزخ والاخرة. (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ومن الادلة على ان المغفرة الإلهية تنال العبد في الدنيا قبل الاخرة دون عمل منه. قوله صلى الله عليه وسلم (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا). قالها ثلاثا. والحديث أخرجه مسلم.
أحسن الله إليكم شيخنا. لعلنا نبدأ بأسباب التكفير الدنيوية.
أسباب تكفير السيئات في الدنيا خمسة التوبة والاستغفار، والأعمال الصالحة، والمصائب، والحدود.
هذا الإجمال ونحتاج بعده إلى التفصيل.
أولا التوبة. وقد عرفها العلماء بأنها الإقلاع عن المعاصي، والعزم على عدم العودة إليها، والندم على ما كان منها، والتوبة من الكبائر فرض عين على كل مسلم بالإجماع، ويجب المبادرة إليها فورا. وقد جاء الأمر بها في غير ما أية أو حديث. ومنها قوله تعالى (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون). وقوله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس توبوا إلى الله). أخرجه مسلم. والدلائل على أن التوبة سبب لتكفير السيئات كثيرة. ومنها قوله تعالى (يا ايها الذين امنوا توبوا الى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار). التوبة النصوح هي التوبة الصادقة الجازمة الشاملة. وقال صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). أخرجه ابن ماجه بسند حسن.
لا شك أن أثر التوبة في تكفير السيئات أثر عظيم، فلو لخصت. أحسن الله إليكم لنا هذا الأمر.
سألخصه لك في خمسة ضوابط. الأول كل وعيد في القرأن فهو مشروط بعدم التوبة بالاتفاق. بمعنى أي وعيد في القرأن والسنة فإن وقوعه على العاصي مشروط بعدم توبته. بمعنى الوعيد لن يتناول التائب من هذه المعصية قطعا. الضابط الثاني. من تاب من ذنب معين كفر عنه. ومن تاب توبة عامة شاملة مستغرقة لجميع السيئات اقتضت غفران الذنوب جميعا. الضابط الثالث. ليس من شيء يهدم جميع الذنوب سوى التوبة. ولذا قال سبحانه (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا). وهذه الآية في حق التائب. الضابط الرابع. تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر. وهذا ما عليه جمهور السلف والخلف. واختاره ابن القيم رحمه الله. أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. فتصح عنده التوبة من شرب الخمر وإن كان مصرا على أكل الربا مثله. لكن توبته من شرب الحشيشة لا تصح إذا كان مصرا على شرب الخمر. والله أعلم. الضابط الخامس التوبة إلى الله هي المفزع. هي طوق النجاة من فقده فهو على خطر. خذ الأمر على ما يستحقه من أهمية. أمامنا عقبة كأداء. ثمة أهوال عظيمة بعد الموت إذا أردنا أن نصل إلى بر الأمان فلنتب ولنكرر التوبة ونداوم على التوبة. تأمل ودقق في قول النبي صلى الله عليه وسلم (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة). والحديث عند البخاري. تأمل يا رعاك الله توبة تامة مكتملة الشروط تتكرر أكثر من سبعين مرة خلال أربع وعشرين ساعة، ويتكرر هذا كل يوم. هذا ما يقوله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه. أليس حريا بنا أن نقتدي به نحن المذنبون الذين لا ندري ما يفعل بنا؟
أحسن الله إليكم. حتى نفهم التوبة فهما صحيحا نحتاج إلى معرفة شروطها تفصيلا.
قبل كل شيء أيقن أن التوبة موضوع يحتاج إلى مصابرة ومجاهدة. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله. فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة. وما أسهلها باللسان والدعوة. وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة. انتهى كلامه. إذن. يا من يروم التوبة اصدق الله وييسرها لك. التوبة النصوح التي يتحقق معها تكفير السيئات. هي ما جمعت شروطا خمسة. وهي في حقيقتها أركان لا تقوم دونها. وتفصيلها في ما يأتي. أولا الإخلاص لله تعالى. فان التوبة عبادة فيجب أن تقع خالصة لله سبحانه، إذ قد يندم الإنسان ويقلع ويعزم على أن لا يعود ولا يكون تائبا شرعا، لأنه يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس مثله. ثانيا الإقلاع عن المعصية وتركها في الحال، إذ لا يتصور أن يكون تائبا من الذنب. من هو قائم به. فالتوبة والإصرار ضدان. وهذا مشترط في حق من هو متلبس بالمعصية. وأما من مضت منه فهو غير متمكن منها لا فعلا ولا تركا. ومن الذنوب ما يشترط له مع الإقلاع القضاء أو الكفارة. كترك بعض العبادات التي لا بد لها من القضاء أو الكفارة. والتوبة صحيحة في حق من أقلع عن المعصية وإن بقي أثرها السيئ. كمن تاب من بدعة بعد أن انتشرت عنه إذا بذل جهده في البراءة والتحذير منها. ثالثا الندم على ما وقع منه من المعصية. وهذا أصل التوبة وركنها الأعظم، وقد قال صلى الله عليه وسلم (الندم توبة). أخرجه أحمد وابن ماجه بسند حسن. وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم الندم توبة لأنه أعظم أركانها وبه تحصل.
أحسن الله إليكم. قد يستشكل على هذا الركن بكون الندم انفعالا نفسيا لا يدخل تحت التكليف لأنه ليس بالاختيار، فكيف يطالب العبد بشيء ليس باختياره؟
الجواب سلمك الله أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها كالتفكر في عاقبة المعصية وسوء مغبتها، وتذكر عذاب الله وغضبه وعظمته، وهذا القدر مستطاع، أليس كذلك؟ ومن أتى به حقا فسيندم. قطعا ستكون لقلبه كسرة وخضوع وندم وإخبات ولا بد. الشرط الرابع العزم على عدم العودة إلى مثل المعصية المتاب منها. فأي توبة هذه التي ينوي بها صاحبها معاودة الذنب؟ وهذا الشرط في الحقيقة يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس، لا سيما إذا تعلقت النفس بالذنب تعلقا شديدا، فإن هذا التعلق يضعف إرادة التوبة والعزم شيئا فشيئا الى أن تنسلخ من قلبه هذه الإرادة بالكلية. والله المستعان.
أسأل الله لكم. وهل اذا رجع التائب الى ما تاب منه تبطل توبته السابقة؟
اذا كان حين التوبة صادقا في العزم على عدم العودة ثم غلبته نفسه فعاد. فالصحيح من كلام أهل العلم ان الرجوع الى ما تاب منه. لا يبطل التوبة. ننتقل الى الشرط الخامس ألا وهو رد المظالم إلى أصحابها إذا كانت متعلقة بحق أدمي أو التحلل منها للاجماع على أن التوبة المجردة لا تذهب حقوق العباد بمعنى حق المظلوم لا يسقط بمجرد التوبة. وهذه قاعدة. إذا من تمام توبة التائب أن يرد الحق لصاحبه أو يعوضه بمثل مظلمته. وليعلم أنه إن لم يعوض المظلوم في الدنيا فلا بد من عوض في الآخرة فالمقام إذا مخوف. ففي حديث المفلس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). فينبغي للظالم التائب أن يوفي المظلومين حقوقهم اليوم وإن لم يفعل فليستعد لموقف القصاص هذا.
رد المظالم يحتاج إلى تفصيل، فلو فصلتموه لنا.
مظالم العباد قد تكون في نفس أو مال أو عرض، فأما إذا كانت في نفس كقتل عمد عدوان فيجب أن يبذل نفسه لولي الدم إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وهذا ما يوفي به حق الولي وإن كانت في مال وصاحبه معلوم فيجب رده إن كان موجودا، وإلا رد مثله أو استحله في الحالين، وإن لم يعلم صاحبه تصدق به عنه.
بقي إذا قدح في عرضه بأن اغتابه مثلا كيف يتخلص من التبعة؟
من العلماء من اشترط إعلام المظلوم والتحلل منه في التوبة من هذا الذنب. وذهب الاكثرون إلى أنه لا يشترط وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله لأنه يترتب على إعلامه وطلب مسامحته مفسدة فسيمتلئ قلبه عليه وربما قاطعه. لكن على التائب ان يتوب بينه وبين ربه، ثم أن يثني على من اغتابه في مواضع غيبته ويستغفر له بقدر ما اغتاب. وقد يقال والعلم عند الله ان المغتاب إن علم في من اغتابه سماحة النفس ورفيع الخلق. وأن الغالب على الظن ان يعفو ويسامح فليتحلله ليخرج من التبعة بيقين، وإن علم فيه ضد هذا فليفعل ما تقدم في القول الثاني. والله أعلم.
أحسن الله إليكم شيخنا هذا السبب الأول وهو التوبة. فهل ننتقل إلى السبب الثاني؟
نعم. السبب الثاني الاستغفار وهو سؤال الله المغفرة. والأدلة على أن الاستغفار من أسباب التكفير كثيرة منها قوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومنها قوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. وفي الحديث القدسي المتفق عليه (يا ابن ادم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك). وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم. (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم). أخرجه مسلم.
ما الفرق بين التوبة والاستغفار؟
الأصل أن الاستغفار غير التوبة، وبينهما فروق عدة من أهمها أن الاستغفار دعاء، فهو دعاء باللسان، وأما التوبة فمن أعمال القلوب، وقد قرن الاستغفار بالتوبة في عدة نصوص كقوله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود). وقال صلى الله عليه وسلم (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة). والحديث في البخاري. في حال الاقتران بينهما يراد بالاستغفار طلب المغفرة باللسان، وبالتوبة الندم والعزم بالقلب. وقيل على كل حال أقوال غير هذا. أما في حال انفراد الاستغفار فإن ترتب على الاستغفار غفران الذنوب كالنصوص التي تقدمت فيراد بالاستغفار حينها الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، فيكون في معنى التوبة. ويستفاد هذا من قوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). وتحمل الأدلة المطلقة على هذا التقييد. أما الاستغفار المجرد عن ترك الإصرار فهو اعتراف بالذنب وسؤال لله أن يغفره، ولا يقطع له بالمغفرة، وإنما يرجى فإنه داع. دعوة مجردة. والدعاء نافع بكل حال. قال ابن رجب رحمه الله. فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال بلسانه أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة كما يقول اللهم اغفر لي. وهو حسن. وقد يرجى له الإجابة. انتهى كلامه. ويقوى رجاء المغفرة للمستغفرين دون توبة إذا حصل له حال الاستغفار خشية من ربه وخوف منه. على أنه لا بد أن يلاحظ أنه قد يكون الإصرار على الذنب مانعا من إجابة هذا الدعاء، فإن الإصرار على السيئات خطر. وقد جاء في الحديث (ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) أخرجه أحمد وحسنه ابن حجر.
وما جاء عن بعض السلف أن الاستغفار باللسان توبة الكذابين.
هذا محمول على أن هذا الاستغفار ليس توبة، وأن من عده توبة فقد كذب، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار. وقد تقدم أن التوبة والإصرار ضدان لا يجتمعان، لكن الإصرار لا يضاد الاستغفار الذي ليس بتوبة.
أحسن الله إليكم أيضا. بعضهم يقول الاستغفار مع الإصرار أقرب إلى أن يكون ذنبا منه. أن يكون دعاء.
هذا القول ان قصد به استغفار المصر بلسانه على جهة الاستهزاء والسخرية، فهو بلا شك ذنب كبير، بل وصاحبه على خطر عظيم، وإن قصد به استغفاره على جهة الاعتراف بالذنب وسؤال الله المغفرة لاسيما بعد انتهاء الذنب، فلا يسلم ما ذكر ولا دليل عليه. والله تعالى أعلم.
أحسن الله اليكم. لو ذكرتم لنا. السبب الثالث.
السبب الثالث. الأعمال الصالحة. وقد تواردت الأدلة الشرعية على أن الأعمال الصالحة سبب لتكفير السيئات، وهذه الأعمال الصالحة نوعان. الأول الكفارات المقدرة شرعا ككفارة اليمين والظهار والجماع في رمضان، أو فعل بعض محظورات الإحرام وغيرها. وهذه الكفارات تتنوع الى عتق وصيام وصدقة وهدية. والأمر في هذا النوع واضح. فإن هذه الكفارات تسقط الذنب الذي تسبب فيها بالإجماع. وتسميتها كفارة يقتضي ذلك. كما قال تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين). الآية. وكما قال جل وعلا في جزاء الصيد للمحرم. (أو كفارة طعام مساكين). النوع الثاني. عامة. الاعمال الصالحة. وقد قامت الأدلة الكثيرة على أنها مكفرة للسيئات. وهذه الأدلة نوعان. نوع دل على أن الاعمال الصالحة عموما مكفرة للسيئات. ونوع فيه تعيين لبعض الأعمال بكونها مكفرة. أما الأدلة العامة فمنها قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات). وهذه الآية دليل صريح على أن الحسنات تكفر الخطايا وتسقطها وتذهب المؤاخذة عليها. وكثير من المفسرين على ان الحسنات في الاية يراد بها الصلوات الخمس. والصواب ان العبرة بعموم اللفظ. ومنها قوله تعالى (ويدرؤون بالحسنة السيئة) أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال كما روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومن الأدلة قوله تعالى (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم). والمعنى من ظلم نفسه بمعاصي الله ثم تاب وأناب، فبدل سيئاته حسنات ومعاصيه طاعات فإن الله غفور رحيم. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد والترمذي. (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها). ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى فانفكت حلقة أخرى حتى يخرج إلى الأرض). أخرجه أحمد. أما الأدلة التي فيها تخصيص أعمال معينة بكونها مكفرة فهي من الكثرة بحيث يصعب حصرها. بل إني أقول إن وصف تكفير السيئات قد ورد في عامة الأعمال الصالحة.
نسقتم لنا نماذج منها.
أول ما يدخل في هذا الباب أعظم الحسنات وأفضلها وهي حسنة التوحيد. فإن التوحيد هو السبب الأعظم للمغفرة. فمن حقق أصله فإنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على ذنوبه، ثم كانت عاقبته إلى الجنة. أما من حقق كماله وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية برحمة الله سبحانه. والأدلة في هذا كثيرة، ومن أصرحها دلالة قوله تعالى في الحديث القدسي (يا ابن ادم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة). أخرجه أحمد والترمذي. ومنها عبادة الصلاة. ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقولون ذلك يبقي من درنه؟ قالوا لا يبقي من درنه شيء. قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا). ومن ذلك أيضا الوضوء. قال صلى الله عليه وسلم (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره). أخرجه مسلم. ومن ذلك صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر. قال صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). وقال صلى الله عليه وسلم (من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). والحديثان. متفق عليهما. ومن ذلك الحج. قال صلى الله عليه وسلم (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه. ومن ذلك ذكر الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم (إن سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر. لتنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها). أخرجه أحمد. ومن ذلك المشي الى المساجد وانتظار الصلاة فيها. قال صلى الله عليه وسلم (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره، وحث الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط). أخرجه مسلم. ومن ذلك إماطة الأذى عن الطريق. قال صلى الله عليه وسلم. (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه، فشكر الله له فغفر له) متفق عليه.
أحسن الله إليكم. هل ثمة توضيح أكثر فيما يتعلق بتكفير الأعمال الصالحة للذنوب؟
نعم. ها هنا ستة تنبيهات. أولا ينبغي للمسلم حين النظر في مثل هذه النصوص الباعثة على الرجاء، أن لا يسترسل حتى يصل إلى حد الاغترار. فإن الذي يكفر السيئات من الصالحات المقبول منها فحسب، وهذا مما لا اطلاع عليه ولا جزم به. وقد نبه الى هذا المعنى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فعن عثمان رضي الله عنه [أنه توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء، ثم قال من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه. قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تغتروا]. أخرجه البخاري. ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا تغتروا. أي استكثروا من الأعمال السيئة. بناء على أن الصلاة تكفرها. فإن الصلاة التي تكفر بها الخطايا هي التي يقبلها الله، وأن للعبد لاطلاع على ذلك. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال. وأكثر الناس يقصرون في الحسنات حتى في صلاتهم فالسعيد. منهم من يكتب له نصفها. وهم يفعلون السيئات كثيرا. فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء. وبما يقبل من الجمعة شيء. وبما يقبل من صيام رمضان شيء آخر. وكذلك سائر الأعمال. انتهى كلامه. وكلامه هذا هو أحسن ما يقال في الجواب عن الإيراد الذي قيل بأنه إذا كفرت السيئات بالوضوء فأي شيء تكفر الصلاة وغيرها من الأعمال؟ التنبيه الثاني. انقسمت النصوص الواردة في هذا الموضوع إلى نصوص مطلقة كما في الأحاديث السابقة، والى نصوص مقيدة إما بوقت التكفير وإما بحد معين من السيئات. من أمثلة المقيدة بوقت. قوله صلى الله عليه وسلم (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). أخرجه البخاري. وأما التقييد بحد معين من السيئات فقد جاء في أحاديث كثيرة. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (من قال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة). أخرجه البخاري. التنبيه الثالث. ورود وصف التكفير في الأعمال لا يضاد أنها تكتب بها الحسنات، وترفع الدرجات أيضا، فإنه يجتمع فيها الأمران، ومن أمثلة ما جاء التنصيص فيه عليهما. الحديث الذي أوردته أنفا. (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات). كذلك حديث التهليل الذي ذكرته قريبا. التنبيه الرابع. قال العلماء السيئات التي تكفر بالحسنات هي التي بين العبد وبين ربه دون الحقوق التي بينه وبين العباد، واستدل على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم. (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين). فهذا دليل على أن أعمال البر المتقبلات لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه دون تبعات بني أدم. الأمر الخامس. تكفير السيئات بالحسنات. لا يدخل فيه إسقاط الحدود التي تجب. بتلك السيئات. فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة فضلا عن غيرها من الأعمال. التنبيه السادس. أشار بعض أهل العلم إلى أنه يحسن أن يطلب العاصي من الحسنات ما يضاد سيئاته، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها. وفي هذا يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله [فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات، فإنه أبلغ في المحو]. انتهى كلامه. والله أعلم. رابعا المصائب. وقد ثبت في الأدلة الكثيرة المتواترة أن المصائب والابتلاءات سبب لتكفير السيئات، وهي قضية مجمع عليها. والمقصود بالمصائب المكفرة كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك. وهذا ما سبق الكلام عنه في حلقة الصبر. وهذا التكفير يتفاوت بحسب عظم المعصية وخفتها. والجمهور على أن التكفير بالمصائب مخصوص بالصغائر.
والسبب الخامس.
السبب الخامس. الحدود. فقد ثبت في الأدلة أن الحدود المقدرة شرعا على بعض المعاصي كفارة لصاحبها. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه). والحديث متفق عليه. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد (من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته). فدل الحديثان وغيرهما على أن من أصاب ذنبا يوجب حدا فأقيم عليه فقد سقط عنه الإثم، ولو كان يبقى عليه شيء من الإثم لم تكن كفارة.
إقامة الحد بمجردها كفارة للذنب أم لا بد مع ذلك من توبة؟
جمهور العلماء على أنها بمجردها كفارة، وهذا هو الصواب لظاهر الأدلة. ولو اشترطنا التوبة للتكفير لم يكن للتنصيص على الحد فائدة. لأن التوبة سبب مستقل للتكفير. هذا ما تيسر في هذه الحلقة. وثمة مسائل أخرى نرجئها للحلقة القادمة إن شاء الله. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد.
تفريغ
مجالس العقيدة ح31 حديث عن الذنوب
مجالس. مجالس العقيدة. إذاعة القرأن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.
(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.)
مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، أما بعد. فحياكم الله في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة ويسعدني أن أرحب في مطلعها. برفيقي فيها الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا بالشيخين الكريمين.
الله يحييكم شيخنا.
أهلا وسهلا بكم شيخنا.
موضوعنا اليوم موضوع اعتقد اننا نحتاج اليه اشد الحاجة. ذلك اننا مقصرون في حق الله جل وعلا. وسيئاتنا سواء كانت تركا لواجب أو فعلا. لمحرم شيء لا يحصيه إلا الله. وكل واحد منا يدرك ذلك إن نحى عنه خداع النفس الكاذب. اذا لا امل لنا ان ننجو من تبعات ما اقترفنا الا ان يعفو الله ويكفر عنا سيئاتنا. فافتقارنا الى رحمة الله ومغفرته يفوق كل افتقار. القضية باختصار إما عفو الله وإما الهلاك. وإذا كان اول الرسل نوح عليه السلام يقول. (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.) فماذا عسانا نحن نقول (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.) إن أعظم ما يظفر به العبد مغفرة ذنبه فمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون، وإن لم يتفضل ربه عليه بها تمت خسارته. والله المستعان. موضوعنا اليوم إذن عن تكفير السيئات وأسباب التكفير وما يتعلق بهذا الموضوع.
موضوع مهم.أحسن الله إليكم. ولا شك في ذلك. لعل البداية تكون ببيان معنى تكفير السيئات.
تكفير السيئات يعني محوها. أي أنه ستر الذنب وتغطيته بحيث يصير بمنزلة ما لم يفعل. وقد ورد في النصوص كلمات أخرى بمعناه ومنها المغفرة والعفو. (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.)
وجميعها يختص الله عز وجل بها. أليس كذلك؟
لا شك. مغفرة الذنوب وتكفير السيئات شيء متعلق بمشيئة الله. وهو وحده من بيده ذلك. ومن سألها غيره كفر. وقد سمى سبحانه نفسه بالعفو والغفور والغفار. ووصف نفسه بالعفو والمغفرة. (ومن يغفر الذنوب الا الله). (غافر الذنب وقابل التوب). (إن ربك واسع المغفرة). والأدلة الدالة على وعده سبحانه عباده المؤمنين بتكفير السيئات. وغفران الذنوب كثيرة. ومنها قوله تعالى. (فالذين امنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم). وقوله. (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم). وقوله. (ولو أن أهل الكتاب امنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم).
ولذا حق للمسلم أن يسأل ربه تكفير سيئاته.
نعم صحيح. وهو أنفع دعاء له. وكم هي الأدلة الدالة على وصف المؤمنين بدعاء ربهم بتكفير السيئات وحضهم على ذلك. فمن دعاء المؤمنين (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار). وقال سبحانه (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم).
أحسن الله إليكم. لعلنا وصلنا إلى أهم ما في هذا الموضوع وهو أسباب تكفير السيئات. فما هي؟
تنبه يا رعاك الله ابتداء إلى أنه قد كان سبب تكفير السيئات فيمن كان قبلنا شديدة. فقد قال سبحانه في شأن توبة بني إسرائيل. (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال سفيان بن عيينة رحمه الله التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. انتهى كلامه. فالحمد لله الرحيم الغفار الذي وضع عنا الأغلال وحط عنا الآصار. لقد دلت الأدلة الكثيرة على أن تكفير السيئات قد يكون بأسباب جعلها الله وسائل للتكفير، وله في ذلك حكمة بالغة، وقد يكون التكفير بمحض رحمته سبحانه وهو أرحم الراحمين الذي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تعالى تنال من شاء من عباده في الدور الثلاث الدنيا والبرزخ والاخرة. (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ومن الادلة على ان المغفرة الإلهية تنال العبد في الدنيا قبل الاخرة دون عمل منه. قوله صلى الله عليه وسلم (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا). قالها ثلاثا. والحديث أخرجه مسلم.
أحسن الله إليكم شيخنا. لعلنا نبدأ بأسباب التكفير الدنيوية.
أسباب تكفير السيئات في الدنيا خمسة التوبة والاستغفار، والأعمال الصالحة، والمصائب، والحدود.
هذا الإجمال ونحتاج بعده إلى التفصيل.
أولا التوبة. وقد عرفها العلماء بأنها الإقلاع عن المعاصي، والعزم على عدم العودة إليها، والندم على ما كان منها، والتوبة من الكبائر فرض عين على كل مسلم بالإجماع، ويجب المبادرة إليها فورا. وقد جاء الأمر بها في غير ما أية أو حديث. ومنها قوله تعالى (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون). وقوله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس توبوا إلى الله). أخرجه مسلم. والدلائل على أن التوبة سبب لتكفير السيئات كثيرة. ومنها قوله تعالى (يا ايها الذين امنوا توبوا الى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار). التوبة النصوح هي التوبة الصادقة الجازمة الشاملة. وقال صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). أخرجه ابن ماجه بسند حسن.
لا شك أن أثر التوبة في تكفير السيئات أثر عظيم، فلو لخصت. أحسن الله إليكم لنا هذا الأمر.
سألخصه لك في خمسة ضوابط. الأول كل وعيد في القرأن فهو مشروط بعدم التوبة بالاتفاق. بمعنى أي وعيد في القرأن والسنة فإن وقوعه على العاصي مشروط بعدم توبته. بمعنى الوعيد لن يتناول التائب من هذه المعصية قطعا. الضابط الثاني. من تاب من ذنب معين كفر عنه. ومن تاب توبة عامة شاملة مستغرقة لجميع السيئات اقتضت غفران الذنوب جميعا. الضابط الثالث. ليس من شيء يهدم جميع الذنوب سوى التوبة. ولذا قال سبحانه (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا). وهذه الآية في حق التائب. الضابط الرابع. تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر. وهذا ما عليه جمهور السلف والخلف. واختاره ابن القيم رحمه الله. أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. فتصح عنده التوبة من شرب الخمر وإن كان مصرا على أكل الربا مثله. لكن توبته من شرب الحشيشة لا تصح إذا كان مصرا على شرب الخمر. والله أعلم. الضابط الخامس التوبة إلى الله هي المفزع. هي طوق النجاة من فقده فهو على خطر. خذ الأمر على ما يستحقه من أهمية. أمامنا عقبة كأداء. ثمة أهوال عظيمة بعد الموت إذا أردنا أن نصل إلى بر الأمان فلنتب ولنكرر التوبة ونداوم على التوبة. تأمل ودقق في قول النبي صلى الله عليه وسلم (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة). والحديث عند البخاري. تأمل يا رعاك الله توبة تامة مكتملة الشروط تتكرر أكثر من سبعين مرة خلال أربع وعشرين ساعة، ويتكرر هذا كل يوم. هذا ما يقوله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه. أليس حريا بنا أن نقتدي به نحن المذنبون الذين لا ندري ما يفعل بنا؟
أحسن الله إليكم. حتى نفهم التوبة فهما صحيحا نحتاج إلى معرفة شروطها تفصيلا.
قبل كل شيء أيقن أن التوبة موضوع يحتاج إلى مصابرة ومجاهدة. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله. فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة. وما أسهلها باللسان والدعوة. وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة. انتهى كلامه. إذن. يا من يروم التوبة اصدق الله وييسرها لك. التوبة النصوح التي يتحقق معها تكفير السيئات. هي ما جمعت شروطا خمسة. وهي في حقيقتها أركان لا تقوم دونها. وتفصيلها في ما يأتي. أولا الإخلاص لله تعالى. فان التوبة عبادة فيجب أن تقع خالصة لله سبحانه، إذ قد يندم الإنسان ويقلع ويعزم على أن لا يعود ولا يكون تائبا شرعا، لأنه يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس مثله. ثانيا الإقلاع عن المعصية وتركها في الحال، إذ لا يتصور أن يكون تائبا من الذنب. من هو قائم به. فالتوبة والإصرار ضدان. وهذا مشترط في حق من هو متلبس بالمعصية. وأما من مضت منه فهو غير متمكن منها لا فعلا ولا تركا. ومن الذنوب ما يشترط له مع الإقلاع القضاء أو الكفارة. كترك بعض العبادات التي لا بد لها من القضاء أو الكفارة. والتوبة صحيحة في حق من أقلع عن المعصية وإن بقي أثرها السيئ. كمن تاب من بدعة بعد أن انتشرت عنه إذا بذل جهده في البراءة والتحذير منها. ثالثا الندم على ما وقع منه من المعصية. وهذا أصل التوبة وركنها الأعظم، وقد قال صلى الله عليه وسلم (الندم توبة). أخرجه أحمد وابن ماجه بسند حسن. وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم الندم توبة لأنه أعظم أركانها وبه تحصل.
أحسن الله إليكم. قد يستشكل على هذا الركن بكون الندم انفعالا نفسيا لا يدخل تحت التكليف لأنه ليس بالاختيار، فكيف يطالب العبد بشيء ليس باختياره؟
الجواب سلمك الله أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها كالتفكر في عاقبة المعصية وسوء مغبتها، وتذكر عذاب الله وغضبه وعظمته، وهذا القدر مستطاع، أليس كذلك؟ ومن أتى به حقا فسيندم. قطعا ستكون لقلبه كسرة وخضوع وندم وإخبات ولا بد. الشرط الرابع العزم على عدم العودة إلى مثل المعصية المتاب منها. فأي توبة هذه التي ينوي بها صاحبها معاودة الذنب؟ وهذا الشرط في الحقيقة يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس، لا سيما إذا تعلقت النفس بالذنب تعلقا شديدا، فإن هذا التعلق يضعف إرادة التوبة والعزم شيئا فشيئا الى أن تنسلخ من قلبه هذه الإرادة بالكلية. والله المستعان.
أسأل الله لكم. وهل اذا رجع التائب الى ما تاب منه تبطل توبته السابقة؟
اذا كان حين التوبة صادقا في العزم على عدم العودة ثم غلبته نفسه فعاد. فالصحيح من كلام أهل العلم ان الرجوع الى ما تاب منه. لا يبطل التوبة. ننتقل الى الشرط الخامس ألا وهو رد المظالم إلى أصحابها إذا كانت متعلقة بحق أدمي أو التحلل منها للاجماع على أن التوبة المجردة لا تذهب حقوق العباد بمعنى حق المظلوم لا يسقط بمجرد التوبة. وهذه قاعدة. إذا من تمام توبة التائب أن يرد الحق لصاحبه أو يعوضه بمثل مظلمته. وليعلم أنه إن لم يعوض المظلوم في الدنيا فلا بد من عوض في الآخرة فالمقام إذا مخوف. ففي حديث المفلس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). فينبغي للظالم التائب أن يوفي المظلومين حقوقهم اليوم وإن لم يفعل فليستعد لموقف القصاص هذا.
رد المظالم يحتاج إلى تفصيل، فلو فصلتموه لنا.
مظالم العباد قد تكون في نفس أو مال أو عرض، فأما إذا كانت في نفس كقتل عمد عدوان فيجب أن يبذل نفسه لولي الدم إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وهذا ما يوفي به حق الولي وإن كانت في مال وصاحبه معلوم فيجب رده إن كان موجودا، وإلا رد مثله أو استحله في الحالين، وإن لم يعلم صاحبه تصدق به عنه.
بقي إذا قدح في عرضه بأن اغتابه مثلا كيف يتخلص من التبعة؟
من العلماء من اشترط إعلام المظلوم والتحلل منه في التوبة من هذا الذنب. وذهب الاكثرون إلى أنه لا يشترط وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله لأنه يترتب على إعلامه وطلب مسامحته مفسدة فسيمتلئ قلبه عليه وربما قاطعه. لكن على التائب ان يتوب بينه وبين ربه، ثم أن يثني على من اغتابه في مواضع غيبته ويستغفر له بقدر ما اغتاب. وقد يقال والعلم عند الله ان المغتاب إن علم في من اغتابه سماحة النفس ورفيع الخلق. وأن الغالب على الظن ان يعفو ويسامح فليتحلله ليخرج من التبعة بيقين، وإن علم فيه ضد هذا فليفعل ما تقدم في القول الثاني. والله أعلم.
أحسن الله إليكم شيخنا هذا السبب الأول وهو التوبة. فهل ننتقل إلى السبب الثاني؟
نعم. السبب الثاني الاستغفار وهو سؤال الله المغفرة. والأدلة على أن الاستغفار من أسباب التكفير كثيرة منها قوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومنها قوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. وفي الحديث القدسي المتفق عليه (يا ابن ادم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك). وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم. (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم). أخرجه مسلم.
ما الفرق بين التوبة والاستغفار؟
الأصل أن الاستغفار غير التوبة، وبينهما فروق عدة من أهمها أن الاستغفار دعاء، فهو دعاء باللسان، وأما التوبة فمن أعمال القلوب، وقد قرن الاستغفار بالتوبة في عدة نصوص كقوله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود). وقال صلى الله عليه وسلم (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة). والحديث في البخاري. في حال الاقتران بينهما يراد بالاستغفار طلب المغفرة باللسان، وبالتوبة الندم والعزم بالقلب. وقيل على كل حال أقوال غير هذا. أما في حال انفراد الاستغفار فإن ترتب على الاستغفار غفران الذنوب كالنصوص التي تقدمت فيراد بالاستغفار حينها الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، فيكون في معنى التوبة. ويستفاد هذا من قوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). وتحمل الأدلة المطلقة على هذا التقييد. أما الاستغفار المجرد عن ترك الإصرار فهو اعتراف بالذنب وسؤال لله أن يغفره، ولا يقطع له بالمغفرة، وإنما يرجى فإنه داع. دعوة مجردة. والدعاء نافع بكل حال. قال ابن رجب رحمه الله. فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال بلسانه أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة كما يقول اللهم اغفر لي. وهو حسن. وقد يرجى له الإجابة. انتهى كلامه. ويقوى رجاء المغفرة للمستغفرين دون توبة إذا حصل له حال الاستغفار خشية من ربه وخوف منه. على أنه لا بد أن يلاحظ أنه قد يكون الإصرار على الذنب مانعا من إجابة هذا الدعاء، فإن الإصرار على السيئات خطر. وقد جاء في الحديث (ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) أخرجه أحمد وحسنه ابن حجر.
وما جاء عن بعض السلف أن الاستغفار باللسان توبة الكذابين.
هذا محمول على أن هذا الاستغفار ليس توبة، وأن من عده توبة فقد كذب، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار. وقد تقدم أن التوبة والإصرار ضدان لا يجتمعان، لكن الإصرار لا يضاد الاستغفار الذي ليس بتوبة.
أحسن الله إليكم أيضا. بعضهم يقول الاستغفار مع الإصرار أقرب إلى أن يكون ذنبا منه. أن يكون دعاء.
هذا القول ان قصد به استغفار المصر بلسانه على جهة الاستهزاء والسخرية، فهو بلا شك ذنب كبير، بل وصاحبه على خطر عظيم، وإن قصد به استغفاره على جهة الاعتراف بالذنب وسؤال الله المغفرة لاسيما بعد انتهاء الذنب، فلا يسلم ما ذكر ولا دليل عليه. والله تعالى أعلم.
أحسن الله اليكم. لو ذكرتم لنا. السبب الثالث.
السبب الثالث. الأعمال الصالحة. وقد تواردت الأدلة الشرعية على أن الأعمال الصالحة سبب لتكفير السيئات، وهذه الأعمال الصالحة نوعان. الأول الكفارات المقدرة شرعا ككفارة اليمين والظهار والجماع في رمضان، أو فعل بعض محظورات الإحرام وغيرها. وهذه الكفارات تتنوع الى عتق وصيام وصدقة وهدية. والأمر في هذا النوع واضح. فإن هذه الكفارات تسقط الذنب الذي تسبب فيها بالإجماع. وتسميتها كفارة يقتضي ذلك. كما قال تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين). الآية. وكما قال جل وعلا في جزاء الصيد للمحرم. (أو كفارة طعام مساكين). النوع الثاني. عامة. الاعمال الصالحة. وقد قامت الأدلة الكثيرة على أنها مكفرة للسيئات. وهذه الأدلة نوعان. نوع دل على أن الاعمال الصالحة عموما مكفرة للسيئات. ونوع فيه تعيين لبعض الأعمال بكونها مكفرة. أما الأدلة العامة فمنها قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات). وهذه الآية دليل صريح على أن الحسنات تكفر الخطايا وتسقطها وتذهب المؤاخذة عليها. وكثير من المفسرين على ان الحسنات في الاية يراد بها الصلوات الخمس. والصواب ان العبرة بعموم اللفظ. ومنها قوله تعالى (ويدرؤون بالحسنة السيئة) أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال كما روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومن الأدلة قوله تعالى (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم). والمعنى من ظلم نفسه بمعاصي الله ثم تاب وأناب، فبدل سيئاته حسنات ومعاصيه طاعات فإن الله غفور رحيم. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد والترمذي. (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها). ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى فانفكت حلقة أخرى حتى يخرج إلى الأرض). أخرجه أحمد. أما الأدلة التي فيها تخصيص أعمال معينة بكونها مكفرة فهي من الكثرة بحيث يصعب حصرها. بل إني أقول إن وصف تكفير السيئات قد ورد في عامة الأعمال الصالحة.
نسقتم لنا نماذج منها.
أول ما يدخل في هذا الباب أعظم الحسنات وأفضلها وهي حسنة التوحيد. فإن التوحيد هو السبب الأعظم للمغفرة. فمن حقق أصله فإنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على ذنوبه، ثم كانت عاقبته إلى الجنة. أما من حقق كماله وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية برحمة الله سبحانه. والأدلة في هذا كثيرة، ومن أصرحها دلالة قوله تعالى في الحديث القدسي (يا ابن ادم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة). أخرجه أحمد والترمذي. ومنها عبادة الصلاة. ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقولون ذلك يبقي من درنه؟ قالوا لا يبقي من درنه شيء. قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا). ومن ذلك أيضا الوضوء. قال صلى الله عليه وسلم (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره). أخرجه مسلم. ومن ذلك صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر. قال صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). وقال صلى الله عليه وسلم (من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). والحديثان. متفق عليهما. ومن ذلك الحج. قال صلى الله عليه وسلم (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه. ومن ذلك ذكر الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم (إن سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر. لتنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها). أخرجه أحمد. ومن ذلك المشي الى المساجد وانتظار الصلاة فيها. قال صلى الله عليه وسلم (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره، وحث الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط). أخرجه مسلم. ومن ذلك إماطة الأذى عن الطريق. قال صلى الله عليه وسلم. (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه، فشكر الله له فغفر له) متفق عليه.
أحسن الله إليكم. هل ثمة توضيح أكثر فيما يتعلق بتكفير الأعمال الصالحة للذنوب؟
نعم. ها هنا ستة تنبيهات. أولا ينبغي للمسلم حين النظر في مثل هذه النصوص الباعثة على الرجاء، أن لا يسترسل حتى يصل إلى حد الاغترار. فإن الذي يكفر السيئات من الصالحات المقبول منها فحسب، وهذا مما لا اطلاع عليه ولا جزم به. وقد نبه الى هذا المعنى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فعن عثمان رضي الله عنه [أنه توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء، ثم قال من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه. قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تغتروا]. أخرجه البخاري. ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا تغتروا. أي استكثروا من الأعمال السيئة. بناء على أن الصلاة تكفرها. فإن الصلاة التي تكفر بها الخطايا هي التي يقبلها الله، وأن للعبد لاطلاع على ذلك. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال. وأكثر الناس يقصرون في الحسنات حتى في صلاتهم فالسعيد. منهم من يكتب له نصفها. وهم يفعلون السيئات كثيرا. فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء. وبما يقبل من الجمعة شيء. وبما يقبل من صيام رمضان شيء آخر. وكذلك سائر الأعمال. انتهى كلامه. وكلامه هذا هو أحسن ما يقال في الجواب عن الإيراد الذي قيل بأنه إذا كفرت السيئات بالوضوء فأي شيء تكفر الصلاة وغيرها من الأعمال؟ التنبيه الثاني. انقسمت النصوص الواردة في هذا الموضوع إلى نصوص مطلقة كما في الأحاديث السابقة، والى نصوص مقيدة إما بوقت التكفير وإما بحد معين من السيئات. من أمثلة المقيدة بوقت. قوله صلى الله عليه وسلم (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). أخرجه البخاري. وأما التقييد بحد معين من السيئات فقد جاء في أحاديث كثيرة. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (من قال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة). أخرجه البخاري. التنبيه الثالث. ورود وصف التكفير في الأعمال لا يضاد أنها تكتب بها الحسنات، وترفع الدرجات أيضا، فإنه يجتمع فيها الأمران، ومن أمثلة ما جاء التنصيص فيه عليهما. الحديث الذي أوردته أنفا. (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات). كذلك حديث التهليل الذي ذكرته قريبا. التنبيه الرابع. قال العلماء السيئات التي تكفر بالحسنات هي التي بين العبد وبين ربه دون الحقوق التي بينه وبين العباد، واستدل على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم. (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين). فهذا دليل على أن أعمال البر المتقبلات لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه دون تبعات بني أدم. الأمر الخامس. تكفير السيئات بالحسنات. لا يدخل فيه إسقاط الحدود التي تجب. بتلك السيئات. فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة فضلا عن غيرها من الأعمال. التنبيه السادس. أشار بعض أهل العلم إلى أنه يحسن أن يطلب العاصي من الحسنات ما يضاد سيئاته، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها. وفي هذا يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله [فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات، فإنه أبلغ في المحو]. انتهى كلامه. والله أعلم. رابعا المصائب. وقد ثبت في الأدلة الكثيرة المتواترة أن المصائب والابتلاءات سبب لتكفير السيئات، وهي قضية مجمع عليها. والمقصود بالمصائب المكفرة كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك. وهذا ما سبق الكلام عنه في حلقة الصبر. وهذا التكفير يتفاوت بحسب عظم المعصية وخفتها. والجمهور على أن التكفير بالمصائب مخصوص بالصغائر.
والسبب الخامس.
السبب الخامس. الحدود. فقد ثبت في الأدلة أن الحدود المقدرة شرعا على بعض المعاصي كفارة لصاحبها. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه). والحديث متفق عليه. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد (من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته). فدل الحديثان وغيرهما على أن من أصاب ذنبا يوجب حدا فأقيم عليه فقد سقط عنه الإثم، ولو كان يبقى عليه شيء من الإثم لم تكن كفارة.
إقامة الحد بمجردها كفارة للذنب أم لا بد مع ذلك من توبة؟
جمهور العلماء على أنها بمجردها كفارة، وهذا هو الصواب لظاهر الأدلة. ولو اشترطنا التوبة للتكفير لم يكن للتنصيص على الحد فائدة. لأن التوبة سبب مستقل للتكفير. هذا ما تيسر في هذه الحلقة. وثمة مسائل أخرى نرجئها للحلقة القادمة إن شاء الله. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد.
