بسم الله
تفريغ
اورد ايضا فيما اورد. الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره وله روايات عدة وألفاظ متقاربة. وفيه ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج على بعض أصحابه وهم يتنازعون في القدر كيف يتنازعون؟ بعضهم يقول. ألم يقل الله كذا؟ والأخرون يقولون الم يقل الله كذا؟ وفي رواية هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية كل واحد يستدل بدليل ويحتج به على مقابله. فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن احمر وجهه وغضب. قال الراوي. حتى كأن كأنه فقئ حب الرمان في وجهه. يعني من احمرار وجهه وغضبه عليه الصلاة والسلام. فلما وقف عليهم قال لهم (أبهذا أمرتم؟ أم لهذا خلقتم أن تضربوا كتاب الله. أو أن تضرب القرأن بعضه ببعض؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. انظروا إلى ما أمركم الله فأتمروا. وإلى ما نهاكم عنه فانتهوا). وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم قال. (أبهذا أمرتم. أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم بتنازعهم في القدر. عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه). هذا الحديث وهو حديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فوائد جمة.
أولا من هذه الفوائد أن. التنازع في القدر شأنه عظيم، وأنه من أسباب حصول هلاك الأمم، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه. والوصية التي يتوارد عليها أهل العلم أن يوغل المسلم في باب القدر برفق. أن يوغل في باب القدر برفق، بمعنى أن يتكلم في هذا الباب في حدود ما ورد، وأن يسكت عما سوى ذلك لما. لأن تجاوز حدود المنصوص في هذا الباب يفتح على الإنسان باب الهلاك، ولا سيما إذا وصل الحديث إلى الكلام عن تعليل أفعال الله سبحانه وتعالى في كل صغير وكبير، أو وصل الكلام إلى مسألة الهداية والإضلال والحكمة لله سبحانه وتعالى في هذا وهذا، فهذا مقام ينبغي أن يتنبه الإنسان حين يخوض فيه.
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله. وأصل ضلال الخلق من كل فرقه هو الخوض في فعل الإله بعلة، فإنهم لم يفهموا حكمة له، فصاروا على نوع من الجاهلية، وهذا واقع لا يجحد أن من أسباب الضلال والانحراف، بل والكفر أن يتعمق الإنسان تعمقا غير محمود في باب القدر. فهذه وصية من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ضعها نصب عينيك. عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه.
الوصية الثانية. أن. الإجمال. في مواضع الاشتباه. كاف في باب الاعتقاد. بمعنى الإجمال أو الإيمان الإجمالي. يكفي المسلم إذا كان الأمر مشتبها عليه فلربما يقف الإنسان لضعف علمه لجهله. يقف أمام مسألة من المسائل كبرت على عقله وما استوعبها. فنقول يكفيك في هذا المقام ماذا؟ أن تؤمن إيمانا إجماليا. ولعل الله سبحانه وتعالى أن يفتح عليك وجه الصواب فيها على وجه التفصيل، لكن المصيبة هي أن لا يقنع الإنسان بهذه المرتبة فيزيد تعمقا وتنطعا وبحثا وتنقيبا فيها حتى يصل الحيرة والشك والريب، ولربما أوصله ذلك إلى ما هو أكبر.
الوصية الثالثة او. الفائدة الثالثة. ان. معارضة الحق بالحق منهي عنها. معارضة الحق بالحق. شيء منهي عنه. وهذه فائدة من الفوائد التي استنبطها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أواخر الجزء الثامن من درء التعارض من هذا الحديث، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يعارض. الحق بالحق، بل عليه أن يقبل الحق الذي عند خصمه، كما أنه قبول الحق الذي عند نفسه لا بد أن تقول بالصدق، وأن تقبله في نفسك ومع من كان، فلا يكفي أن تتمسك بالحق الذي عندك، وأن تعرض عن حق غيرك، فهذا لا يكون إلا عن هوى، عن هوى في النفوس، والله جل وعلا يقول.
(والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون). لن تكون متقيا حتى تجمع بين الأمرين. أن تتمسك بالحق الذي عندك. وأن تقبل الحق الذي عند مخالفك. وهذا أحد الإشكالات. بل والمعاطب. التي تقع أثناء المناظرات وأثناء الجدال وأثناء المناقشات. أن تعظم نفس الإنسان عنده. وأن تأخذه العزة بالاثم. فيصبح شيئا عزيزا على نفسه. أن يقبل حق خصمه. وأن يذعن للدليل الذي يبديه. فلأجل ذلك فالاقتصاد في الجدال خير له. حتى لا يقع الإنسان في هذا الخطأ العظيم. لأن. كونك ترد حقا عند خصمك هذا يقتضي إما أن تكذب بحق. وإما أن تقع في الحيرة والريب. وكلاهما لا شك من المهالك.
الفائدة الرابعة. وهي فائدة أيضا. استنبطها شيخ الإسلام رحمه الله في الموضع الذي ذكرته لك، وهي أن المسائل المشكلة إذا خاض فيها أكثر الناس لم يفهموا حقيقتها، وإذا تنازعوا فيها صار بينهم أهواء وظنون، وربما أدى ذلك إلى الفرقة والفتنة، فما كان من دق المسائل، فلا ينبغي التوسع في الأخذ والرد فيه بين المسلمين لأن هذه المسائل لربما لا يستوعبها إلا الواحد بعد الواحد، فمهما أمكن اجتناب الخوض في مناظرة ومناقشة ومباحثه فيها فذلك لعله يكون أحسن.
الفائدة الخامسة انه متى ما تناظر الإخوة والأحبة في مسائل علمية ثم وصل الأمر بينهم إلى مبادئ المنازعة، فإنه ينبغي عليهم أن يتوقفوا خشية أن تقع بينهم شحناء وفرقة. لا بأس ان تتباحث مع اخوانك وان تأخذ وتعطي وان يبدي كل ما عنده من دليل. وبمثل هذه المذاكرات والمباحثات ينموا العلم وتنمو العقول أيضا. لكن حذاري إذا وصل المقام إلى حد بدت فيه مبادئ النزاع والشقاق. بدت الوجوه تحمر. بدأت. بدت الأصوات ترتفع، فهذا من المواضع التي يدخل فيها إبليس، فيوقع بين الأحبة ما يوقع، وما أكثر ما تقطعت الصلات بسبب موقف من هذه المواقف.
فهذا توجيه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم نستفيده من هذا الحديث.
الفائدة السادسة أن الهمة ينبغي أن تتجه إلى العمل لا إلى الجدل، الهمة ينبغي أن تتجه إلى العمل لا إلى الجدل. ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ننظر إلى ما أمرنا به ونأتمر، والى ما نهينا عنه فننتهي، ولا حاجة إلى الدخول في أشياء لربما كانت قليلة الفائدة. او عديمة الفائدة. فتضيع الاوقات. وتذهب الأعمار سدى. وما احوج طلاب العلم إلى هذه الفائدة والى هذا التوجيه. فانك إذا عرفت أحوال كثير من طلاب العلم ولا سيما في مبادئ الطلب، وجدت أنه تذهب عليهم أوقات كثيرة في شيء لا طائل تحته أو فائدته فائدة قليلة في سبيل انه ضاعت عليهم هذه الأوقات التي كان ينبغي لهم ان يستفيدوا منها وأن يحسنوا استغلالها. فمن المسائل العلمية ما هو قليل الفائدة او عديم الفائدة، أو أنه لا يتناسب مع المرحلة التي فيها طالب العلم. فكونه يستغرق جهده ووقته وتعجبه يلتذ بالبحث فيها. هذا سيكون على حساب عمره، وسيكون على حساب وقته، وسيكون على حساب جهده. ولربما أثر في نفسه ولو بعد حين. فأداه إلى أن ينصرف عن العلم لأنه لم يجد بعد مدة من الطلب تلك الثمرة التي كان يرجوها، بعكس الذي يطلب العلم للعمل نفسه تواقة ليعرف ما الذي أمره الله سبحانه وتعالى به فيأتمر به، سواء كان في مسائل الاعتقاد او كان في مسائل العبادة، او كان في مسائل الأخلاق. كذلك الحال في المنهيات، فإنه أحرص شيء على أن يتعلمها ليجتنبها. فهذا الذي يطلب العلم للعمل حري أن يوفق، حري ان يزداد علما حري ان ينفع الله سبحانه وتعالى بعلمه. والله جل وعلا أعلم. نعم.
تفريغ
اورد ايضا فيما اورد. الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره وله روايات عدة وألفاظ متقاربة. وفيه ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج على بعض أصحابه وهم يتنازعون في القدر كيف يتنازعون؟ بعضهم يقول. ألم يقل الله كذا؟ والأخرون يقولون الم يقل الله كذا؟ وفي رواية هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية كل واحد يستدل بدليل ويحتج به على مقابله. فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن احمر وجهه وغضب. قال الراوي. حتى كأن كأنه فقئ حب الرمان في وجهه. يعني من احمرار وجهه وغضبه عليه الصلاة والسلام. فلما وقف عليهم قال لهم (أبهذا أمرتم؟ أم لهذا خلقتم أن تضربوا كتاب الله. أو أن تضرب القرأن بعضه ببعض؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. انظروا إلى ما أمركم الله فأتمروا. وإلى ما نهاكم عنه فانتهوا). وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم قال. (أبهذا أمرتم. أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم بتنازعهم في القدر. عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه). هذا الحديث وهو حديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فوائد جمة.
أولا من هذه الفوائد أن. التنازع في القدر شأنه عظيم، وأنه من أسباب حصول هلاك الأمم، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه. والوصية التي يتوارد عليها أهل العلم أن يوغل المسلم في باب القدر برفق. أن يوغل في باب القدر برفق، بمعنى أن يتكلم في هذا الباب في حدود ما ورد، وأن يسكت عما سوى ذلك لما. لأن تجاوز حدود المنصوص في هذا الباب يفتح على الإنسان باب الهلاك، ولا سيما إذا وصل الحديث إلى الكلام عن تعليل أفعال الله سبحانه وتعالى في كل صغير وكبير، أو وصل الكلام إلى مسألة الهداية والإضلال والحكمة لله سبحانه وتعالى في هذا وهذا، فهذا مقام ينبغي أن يتنبه الإنسان حين يخوض فيه.
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله. وأصل ضلال الخلق من كل فرقه هو الخوض في فعل الإله بعلة، فإنهم لم يفهموا حكمة له، فصاروا على نوع من الجاهلية، وهذا واقع لا يجحد أن من أسباب الضلال والانحراف، بل والكفر أن يتعمق الإنسان تعمقا غير محمود في باب القدر. فهذه وصية من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ضعها نصب عينيك. عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه.
الوصية الثانية. أن. الإجمال. في مواضع الاشتباه. كاف في باب الاعتقاد. بمعنى الإجمال أو الإيمان الإجمالي. يكفي المسلم إذا كان الأمر مشتبها عليه فلربما يقف الإنسان لضعف علمه لجهله. يقف أمام مسألة من المسائل كبرت على عقله وما استوعبها. فنقول يكفيك في هذا المقام ماذا؟ أن تؤمن إيمانا إجماليا. ولعل الله سبحانه وتعالى أن يفتح عليك وجه الصواب فيها على وجه التفصيل، لكن المصيبة هي أن لا يقنع الإنسان بهذه المرتبة فيزيد تعمقا وتنطعا وبحثا وتنقيبا فيها حتى يصل الحيرة والشك والريب، ولربما أوصله ذلك إلى ما هو أكبر.
الوصية الثالثة او. الفائدة الثالثة. ان. معارضة الحق بالحق منهي عنها. معارضة الحق بالحق. شيء منهي عنه. وهذه فائدة من الفوائد التي استنبطها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أواخر الجزء الثامن من درء التعارض من هذا الحديث، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يعارض. الحق بالحق، بل عليه أن يقبل الحق الذي عند خصمه، كما أنه قبول الحق الذي عند نفسه لا بد أن تقول بالصدق، وأن تقبله في نفسك ومع من كان، فلا يكفي أن تتمسك بالحق الذي عندك، وأن تعرض عن حق غيرك، فهذا لا يكون إلا عن هوى، عن هوى في النفوس، والله جل وعلا يقول.
(والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون). لن تكون متقيا حتى تجمع بين الأمرين. أن تتمسك بالحق الذي عندك. وأن تقبل الحق الذي عند مخالفك. وهذا أحد الإشكالات. بل والمعاطب. التي تقع أثناء المناظرات وأثناء الجدال وأثناء المناقشات. أن تعظم نفس الإنسان عنده. وأن تأخذه العزة بالاثم. فيصبح شيئا عزيزا على نفسه. أن يقبل حق خصمه. وأن يذعن للدليل الذي يبديه. فلأجل ذلك فالاقتصاد في الجدال خير له. حتى لا يقع الإنسان في هذا الخطأ العظيم. لأن. كونك ترد حقا عند خصمك هذا يقتضي إما أن تكذب بحق. وإما أن تقع في الحيرة والريب. وكلاهما لا شك من المهالك.
الفائدة الرابعة. وهي فائدة أيضا. استنبطها شيخ الإسلام رحمه الله في الموضع الذي ذكرته لك، وهي أن المسائل المشكلة إذا خاض فيها أكثر الناس لم يفهموا حقيقتها، وإذا تنازعوا فيها صار بينهم أهواء وظنون، وربما أدى ذلك إلى الفرقة والفتنة، فما كان من دق المسائل، فلا ينبغي التوسع في الأخذ والرد فيه بين المسلمين لأن هذه المسائل لربما لا يستوعبها إلا الواحد بعد الواحد، فمهما أمكن اجتناب الخوض في مناظرة ومناقشة ومباحثه فيها فذلك لعله يكون أحسن.
الفائدة الخامسة انه متى ما تناظر الإخوة والأحبة في مسائل علمية ثم وصل الأمر بينهم إلى مبادئ المنازعة، فإنه ينبغي عليهم أن يتوقفوا خشية أن تقع بينهم شحناء وفرقة. لا بأس ان تتباحث مع اخوانك وان تأخذ وتعطي وان يبدي كل ما عنده من دليل. وبمثل هذه المذاكرات والمباحثات ينموا العلم وتنمو العقول أيضا. لكن حذاري إذا وصل المقام إلى حد بدت فيه مبادئ النزاع والشقاق. بدت الوجوه تحمر. بدأت. بدت الأصوات ترتفع، فهذا من المواضع التي يدخل فيها إبليس، فيوقع بين الأحبة ما يوقع، وما أكثر ما تقطعت الصلات بسبب موقف من هذه المواقف.
فهذا توجيه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم نستفيده من هذا الحديث.
الفائدة السادسة أن الهمة ينبغي أن تتجه إلى العمل لا إلى الجدل، الهمة ينبغي أن تتجه إلى العمل لا إلى الجدل. ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ننظر إلى ما أمرنا به ونأتمر، والى ما نهينا عنه فننتهي، ولا حاجة إلى الدخول في أشياء لربما كانت قليلة الفائدة. او عديمة الفائدة. فتضيع الاوقات. وتذهب الأعمار سدى. وما احوج طلاب العلم إلى هذه الفائدة والى هذا التوجيه. فانك إذا عرفت أحوال كثير من طلاب العلم ولا سيما في مبادئ الطلب، وجدت أنه تذهب عليهم أوقات كثيرة في شيء لا طائل تحته أو فائدته فائدة قليلة في سبيل انه ضاعت عليهم هذه الأوقات التي كان ينبغي لهم ان يستفيدوا منها وأن يحسنوا استغلالها. فمن المسائل العلمية ما هو قليل الفائدة او عديم الفائدة، أو أنه لا يتناسب مع المرحلة التي فيها طالب العلم. فكونه يستغرق جهده ووقته وتعجبه يلتذ بالبحث فيها. هذا سيكون على حساب عمره، وسيكون على حساب وقته، وسيكون على حساب جهده. ولربما أثر في نفسه ولو بعد حين. فأداه إلى أن ينصرف عن العلم لأنه لم يجد بعد مدة من الطلب تلك الثمرة التي كان يرجوها، بعكس الذي يطلب العلم للعمل نفسه تواقة ليعرف ما الذي أمره الله سبحانه وتعالى به فيأتمر به، سواء كان في مسائل الاعتقاد او كان في مسائل العبادة، او كان في مسائل الأخلاق. كذلك الحال في المنهيات، فإنه أحرص شيء على أن يتعلمها ليجتنبها. فهذا الذي يطلب العلم للعمل حري أن يوفق، حري ان يزداد علما حري ان ينفع الله سبحانه وتعالى بعلمه. والله جل وعلا أعلم. نعم.
