ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 14
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    149

    حاشية كتاب التوحيد (الباب الأول الى الباب العاشر)

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    حاشية كتاب التوحيد
    ص -1-
    تأليف: شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه
    بقلم الفقير إلى ربه: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي رحمه الله تعالى 1312 - 1392 هـ
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ترجمة مؤلف المتن: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
    هو الإمام العلامة الرباني، محيي السنة مجدد الدعوة، وحيد الزمان، بقية أكابر السلف، أبو علي شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة الحنظلي التميمي. ولد سنة 1115 هـ. في بلدة العيينة من أرض نجد، وقرأ القرآن قبل بلوغه العشر.
    وكان حاد الفهم سريع الإدراك، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، أخذ عن والده وغيره، ثم رحل للتزود من طلب العلم، فأتى البصرة والحجاز مرارا والأحساء وغيرها، وتضلع عن علماء تلك الأقطار، ومنهم: محمد حياة السندي المدني، والشيخ إسماعيل العجلوني، وعلي أفندي الداغستاني، والشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وغيرهم وأجازوه، وتنور وظهر له ما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، وحج ووقف بالملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بعد أن عفا بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس.
    وقصد المدينة المنورة وحضر عند علمائها، وارتحل يريد الشام، وحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الإلهية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية، فرجع إليها وقدم على والده في بلدة حريملاء، ودعا إلى السنة المحمدية، ثم ارتحل إلى العيينة، وأزال ما في الجبيلة وتلك الجهات من القباب والمساجد المبنية على قبور الصحابة وغيرها، ثم قدم الدرعية، وتلقاه الإمام محمد بن سعود وبادره بالقبول، فشمر في الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة

    ص -2- وسائر شرائع الإسلام، والنهي عن الشرك بالله وسائر المحرمات، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه أهل الشرك والعناد، وجد الإمام في نصرته، وألبّ عليهم رؤساء العربان والبلدان، واستصرخوا عليهم بأهل نجران وأهل الحجاز وغيرهم فثبتهم الله ونصرهم على قلة منهم، وانتشر التوحيد، وعمرت به نجد بعد خرابها، واجتمعت بعد افتراقها، وكان لهم الغلبة والظهور.
    وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، افتخرت به نجد على سائر الأمصار، وزها عصره على سائر الأعصار، وشهد له أهل عصره ومن بعدهم بالعلم وتجديد الدين، وتواتر الثناء عليه عن فضلائهم وأكابرهم.
    قال العلامة الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء:
    لقد أشرقت نجد بنور ضيائهوقام مقامات الهدى بالدلائل
    فما هو إلا قائم في زمانهمقام نبي في إماتة باطل
    وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني:
    وقد جاءت الأخبار عنه بأنهيعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
    وينشر جهرا ما طوى كل جاهلومبتدع منه فوافق ما عندي
    ويعمر أركان الشريعة هادمامشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
    وقال الشيخ ملا عمران نزيل لنجة:
    فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصح المبين وبالكلام الجيد
    يدعوهمو لله أن لا يعبدواإلا المهيمن ذا الجلال السرمدي
    لا يشركوا ملكا ولا من مرسلكلا ولا من صالح أو سيد
    وقال عالم الأحساء الشيخ حسين بن غنام:
    لقد رفع المولى به رتبة الهدىبوقت به يعلى الضلال ويرفع
    سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى وعام بتيار المعارف يقطع

    ص -3- فأحيا به التوحيد بعد اندراسه وأوهى به من مطلع الشرك مهيع
    سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها سواه ولا حاذى فناها سميدع
    وشمر في منهاج سنة أحمد يشيد ويحمي ما تعفى ويرفع
    وقال الشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي: (( ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة، وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، ولم يزل مثابرا على الدعوة حتى توفاه الله )).
    وقال في الفكر السامي: (( أصبح ابن عبد الوهاب ذا شهرة طبقت العالم الإسلامي وغيره، معدودا من الزعماء المؤسسين للمذاهب الكبرى )) ا هـ.
    بل شهد له الموافق والمخالف أنه المصلح الأكبر، وكان -رحمه الله- مع قيامه بأعباء الدعوة ومجاهدة المشبهين والمبطلين متبتلا في العبادة كثير الإفادة غزير الاستفادة، رحل إليه في طلب العلم من جميع النواحي، ومجالسه مشهورة بالتدريس، معمورة بالفقهاء في جميع فنون العلم.
    وصنف مصنفات شهيرة سارت في الآفاق، منها: كتاب كشف الشبهات، وكتاب أصول الإيمان، وفضائل الإسلام، وفضائل القرآن، وكتاب السيرة المختصرة، والسيرة المطولة، وكتاب مجموع الحديث، ومختصر الشرح الكبير والإنصاف، ومختصر الصواعق، وفتح الباري، والهدي، والعقل والنقل، وكتاب الإيمان، وله رسائل ونصائح وأجوبة، وله الاستنباط من كتاب الله ما يقصر عنه الفحول الأفاضل، وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود.
    قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:
    قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرايكفي أخا اللب إيضاحا وتبيانا
    فيه البيان لتوحيد الإله بماقد يفعل العبد للطاعات إيمانا

    ص -4- حبا وخوفا وتعظيما له ورجاوخشية منه للرحمن إذعانا
    وغير ذلك مما كان يفعلهلله من طاعة سرا وإعلانا
    وفيه توحيدنا رب العباد بماقد يفعل الله إحكاما وإتقانا
    وفيه توحيدنا الرحمن أن لهصفات مجد وأسماء لمولانا
    وفيه تبيان إشراك يناقضهبل ما ينافيه من كفران من خانا
    أو كان يقدح في التوحيد من بدعشنعاء أحدثها من كان فتانا
    أو المعاصي التي تزري بفاعلهامما ينقص توحيدا وإيمانا
    فساق أنواع توحيد الإله كماقد كان يعرفه من كان يقظانا
    وساق فيه الذي قد كان ينقصهلتعرف الحق بالأضداد إمعانا
    مضمنا كل باب من تراجمهمن النصوص أحاديثا وقرآنا
    الشيخ ضمنه ما يطمئن لهقلب الموحد إيضاحا وتبيانا
    فاشدد يديك بهذا الأصل معتصمايورثك فيما سواه الله عرفانا
    وانظر بقلبك في مبنى تراجمهتلقى هنالك للتحقيق عنوانا
    وللمسائل فانظر تلقها حكمايزداد منهن أهل العلم إتقانا
    وقل جزى الله شيخ المسلمين كماقد شاد للملة السمحاء أركانا
    وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى:
    وألف في التوحيد أوجز نبذةبها قد هدى الرحمن للحق من هدى
    نصوصا من القرآن تشفي من العمىوكل حديث للأئمة مسند
    ومن استقرأه علم ذلك.
    أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء من بنيه وبنيهم، وغيرهم من علماء الدرعية وسائر النواحي. وممن تأهل منهم أبناؤه: الشيخ عبد الله وحسين وعلي. وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين .
    ص -5- والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ محمد بن سويلم، والشيخ محمد بن سلطان وغيرهم ممن ولي القضاء، وممن لم يله الخلق الكثير.
    توفي -رحمه الله- وأسكنه الفردوس الأعلى سنة 1206 هـ، وكان يوما مشهودا، وحصل بموته الخطب الجليل والفادح العظيم، ورثاه جماعة من العلماء ذكرنا منها طرفا في مجموع الرسائل. ومن أراد الاطلاع على حقيقة حاله وما منحه الله وما جرى له وعليه، فعليه بروضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، للشيخ حسين بن غنام رحمهما الله تعالى.

    ص -7- بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بتوحيد رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
    أما بعد: فإن (كتاب التوحيد) الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب، ليس له نظير في الوجود، قد وضح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعا في معناه لم يسبق إليه، علما للموحدين وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعم النفع به، وتصدى لشرحه والتعليق عليه جماعة من الجهابذة النبلاء، وأول من تصدى لشرحه وأجاد حفيده الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله، ثم هذبه وكمله حفيده أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وأبرزا فيهما من البيان ما ينبغي أن يرجع إليه، وعلق عليه أيضا الشيخ عبد الرحمن حاشية مفيدة، وعلق عليه تلميذه الشيخ حمد بن عتيق، وتلميذه الشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم، ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره، تسهيلا للطالب، متوخيا فيها ما يلقيه أشياخنا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


    ص -12- بسم الله الرحمن الرحيم (1)

    .................................................. ..................

    (1) ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته، وعملا بحديث: " كل أمر ذي بال "1 أي حال وشأن يهتم به شرعا " لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع "2 وفي رواية "أبتر" أي ناقص البركة. وهو وإن تم حسا لم يتم معنى وحقيقة; ولم يفتتح المصنف كتابه بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . ولعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، واقتصر على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وللخبر، وكان صلى الله عليه وسلم يقتصر عليها في مراسلاته، فكأنه أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم، لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما. وقال حفيده: (( وقع لي نسخة بخطه -رحمه الله- بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم )) .

    والحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، ومعنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم والعناية به. وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
    وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي وبالحمدلة نسبي إضافي، أي بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءا به. والباء متعلقة بمحذوف، اختير كونه فعلا خاصا متأخرا، لئلا يتقدم فيه غير ذكر الله ( وليصح الابتداء في كل قول وعمل; ولأن الحذف أبلغ فلا حاجة إلى النطق بالفعل لدلالة الحال على أن كل قول أو فعل فإنما هو باسم الله.
    والتقدير بسم الله أؤلف حال كوني مستعينا بذكره متبركا به. و "الاسم" مشتق من السمو وهو الارتفاع، أو الوسم وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم، و"الله" علم على =





    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 أبو داود : الأدب (4840) , وابن ماجه : النكاح (1894).
    2 البخاري : اللباس (5951) , ومسلم : اللباس والزينة (210 , والنسائي : الزينة (5361) , وأحمد (2/20 ,2/55).
    ص -13- .................................................. ...........................................
    = ربنا تبارك وتعالى، وهو أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، وهو مشتق بمعنى أنه دال على صفة له. وأصله "الإله" حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام فقيل "الله"، ومعناء ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. و "الرحمن" رحمان الدنيا والآخرة. و "الرحيم" رحمة خاصة بالمؤمنين. و "الرحمن" دال على الصفة القائمة به. و "الرحيم" دال على تعلقها بالمرحوم.
    ص -11- كتاب التوحيد(1)
    .................................................. ..................
    (1)كتاب: مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع، ومنه تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، والكتيبة لجماعة الخيل. والكتابة بالقلم لاجتماع الحروف والكلمات، والمراد به هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر. أو البدع القادحة في التوحيد، أو المعاصي المنقصة للتوحيد، وبيان الوسائل والذرائع الموصلة إلى الشرك والمقربة منه بالبراهين القاطعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
    والتوحيد: مصدر وحّده يوحّده توحيدا، جعله واحدا أي فردا، ووحّده قال: إنه واحد أحد، أو قال لا إله إلا الله. والواحد والأحد وصف اسم الباري تعالى لاختصاصه بالأحدية.
    وأقسام التوحيد ثلاثة :
    (الأول) توحيد الربوبية. وهو العلم والإقرار بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، والمدبر لأمور خلقه جميعهم.
    (والثاني) توحيد الأسماء والصفات. وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال ونعوت الجلال، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
    (والثالث) توحيد الإلهية. وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويتعلق بأعمال العبد وأقواله الظاهرة والباطنة، خلاف ما زعمه المتكلمة والصوفية وغيرهم من أن المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وأنهم إذا أثبتوا ذلك فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأن من أقر بما يستحقه –سبحانه- من الصفات، ونزهه عن كل ما نزه عنه، وأقر أنه –سبحانه- خالق كل شيء فهو الموحّد، =

    ص -12- قول الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّّ لِيَعْبُدُونِ} (1) .
    .................................................. ..................
    = بل لا يكون موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، ويقر أنه وحده هو الإله المستحق للعبادة; ويلتزم بعبادته وحده لا شريك له. وأقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمتى أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر لم يكن موحدا. والقسم الثالث هو مقصود المصنف
    -رحمه الله تعالى- بتصنيف هذا الكتاب، وإن كان قد ضمنه النوعين الآخرين؛ لأن هذا النوع هو أول دعوة الرسل أن:{ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } 1، ولعموم البلوى في زمانه بعبادة القبور والأشجار وغيرها، ودعوة الأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فمن أجل ذلك صرف العناية في بيان ذلك.
    وإن شئت قلت كما قال ابن القيم وغيره: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة. وبهذا التوحيد ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل آية متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري.
    وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد دونه وهو الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي، وهو حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن أهل التوحيد وجزائهم وأهل الشرك وجزائهم، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي الشرك وأهله وجزائهم، وركنا التوحيد الصدق والإخلاص.
    قال ابن القيم:
    والصدق والإخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان
    وحقيقة الإخلاص توحيد المر اد فلا يزاحمه مراد ثان
    (1) قول بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء. والعبادة لغة: التذلل والانقياد. وشرعا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأعراف آية : 59.

    ص -13- وقوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } 1 (1)
    .................................................. ..................
    = الظاهرة والباطنة.
    (وما خلقت) أي ما خلق الله الثقلين الجن والإنس إلا لحكمة عظيمة، وهي عبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه. ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعل هو سبحانه بهم الثاني فيجبرهم على العبادة; فإن من سبقت عليه الشقاوة لم يرد سبحانه وقوع العبادة منه، لما له في ذلك من الحكمة.
    وقال بعض السلف: إلا لآمرهم وأنهاهم. واختاره الزجاج والشيخ وغرهما; قال تعالى: { أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}2 لا يؤمر ولا ينهى. وقال: (اعبدوا ربكم) أي اتقوه، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك، وكلما وردت العبادة في القرآن فمعناها توحيد الله بجميع أنواع العبادة. وسميت وظائف الشرع عبادات؛ لأنهم يفعلونها خاضعين لله فيكونون من أهل رضاه. قال تعالى: { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} 3 أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد؛ إذ كان الخلق كلهم لم يخلقوا إلا له.
    (1) الطاغوت: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، وكل من تعدى حده بأي نوع من الطغيان فهو طاغوت، ويكون واحدا وجمعا، ويؤنث ويذكر، وللسلف فيه تفاسير لا تنافي بينها، وكلها ترجع إلى ما قال ابن القيم: (( الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع )) ا هـ.
    وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الناس رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، يأمرهم (أن اعبدوا الله) أي وحدوا الله بالعبادة، (واجتنبوا) اتركوا وفارقوا عبادة ما سواه. ولهذا خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، و (اجتنبوا) أبلغ من اتركوا، =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة النحل آية : 36.
    2 سورة القيامة آية : 36.
    3 سورة الذاريات آية : 57.

    ص -14- وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } 1 (1) الآية (2)
    .................................................. ..................
    = فإن اتركوا لعدم الفعل، واجتنبوا تقتضي ذلك وتقتضي المباعدة والمجانبة، وهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله فإنها تضمنت النفي والإثبات، كما تضمنته لا إله إلا الله، ففي قوله: (اعبدوا الله) الإثبات، وقوله: (اجتنبوا الطاغوت) النفي. وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد، ففيها بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، ومعنى لا إله إلا الله. قال المصنف: (( وفيه الحكمة في إرسال الرسل، وأن الرسالة عمت كل أمة، وأن دين الأنبياء واحد )) .
    (1) أي أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، فإن القضاء ينقسم إلى قسمين كوني قدري، وشرعي ديني، واشتملت هذه الآيات على جملة الشرائع، وابتدئت بالتوحيد فدل على أنه أوجب الواجبات؛ إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالأهم، وختمت بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وفيها معنى لا إله إلا الله، فإن قوله: (ألا تعبدوا) هو معنى لا إله، وقوله: (إلا إياه) هو معنى إلا الله.
    (2) أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له كقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } 2، وعطف حقهما على حقه دليل على تأكد حقهما، وأنه أؤكد الحقوق بعد الله، وأكده أيضا بالمصدر المؤكد لما فرضه من حقهما؛ لأن الله جعلهما سببا لخروجك من العدم، ولم يخص نوعا من أنواع الإحسان ليعم جميع أنواعه، وتواترت السنة ببر الوالدين وتحريم عقوقهما.: { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } 3 أي لا تسمعهما قولا سيئاً حتى =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الإسراء آية : 23.
    2 سورة لقمان آية : 14.
    3 سورة الإسراء آية : 23.

    ص -15- وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } 1 الآية. (1) وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } 2 (2).
    .................................................. ..................
    = ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، تنبيها بما هو فوق ذلك من القول السيء، والفعل السيئ (ولا تنهرهما) أي لا يصدر إليهما منك قول قبيح: { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} 3 لينا طيبا بأدب وتوقير.: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } 4 أي تواضع لهما: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } 5 أي في كبرهما وعند وفاتهما: { كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } 6 أي كما رحماني في تربيتهما لي في صغري أو لتربيتهما. وقوله: "الآية" أي إلى آخر الآية، أو اقرأ الآية.
    (1) يأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة. والشرك تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. و (شيئا) نكرة في سياق النهي فتعم الشرك قليله وكثيره. وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق. وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات. وفيها تفسير التوحيد، وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك وهذا وجه مطابقتها للترجمة قاله حفيد المصنف، وفي بعض النسخ المعتمدة تقديمها على آية الأنعام فقدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود.
    (2) أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: (تعالوا) أي هلموا وأقبلوا (أتل) أي أقص عليكم وأخبركم بـ : {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } 7 حقا لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه وأمرا من عنده،: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } 8 كأن في الكلام =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة النساء آية : 36.
    2 سورة الأنعام آية : 151.
    3 سورة الإسراء آية : 23.
    4 سورة الإسراء آية : 24.
    5 سورة الإسراء آية : 24.
    6 سورة الإسراء آية : 24.
    7 سورة الأنعام آية : 151.
    8 سورة الأنعام آية : 151.

    ص -16- .................................................. ...........................................
    = محذوفا تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئا. فيكون المعنى حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، ولهذا إذا سئل الصحابة -رضي الله عنهم- عما يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا "1 وذكر سبحانه في هذه الآية جملا من المحرمات، وابتدأها بالنهي عن الشرك، والنهي عنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، فدل على أن التوحيد أوجب الواجبات. وأن الشرك أعظم المحرمات، وهذا وجه مطابقتها للترجمة (وبالوالدين إحسانا) قال القرطبي: (( الإحسان إلى الوالدين برهما، وحفظهما وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما )). و (إحسانا) نصب على المصدرية، أي أحسنوا بالوالدين إحسانا.: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } 2 أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر فإني رازقهم وإياكم، أي لا تخافوا من الفقر بسبب رزقهم فهو على الله، وخص الأولاد لأن قتلهم يجمع بين القتل وقطيعة الرحم. فالعناية بالنهي عنه آكد، وكان قتل البنات شائعا فيهم. وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، فنهاهم الله عن ذلك.: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } 3 نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. (وظهر وبطن) حالان تستوفيان أقسام ما جعلتا له من الأشياء.: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } 4 قتلها (إلا بالحق)، وهذا مما نص على النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش. (ذلكم وصاكم به) إشارة إلى هذه المحرمات التي أولها النهي عن الشرك، والوصية الأمر المؤكد المقرر، وسميت وصية الميت وصية؛ لأنه يعهدها لمن بعده ليتمسكوا بها. (لعلكم تعقلون) لعل للتعليل أن الله وصانا بهذه الوصايا وأمرنا بها، وأكد علينا فيها لنعقلها ونعمل بها.: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } 5 نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف إلا ما يحسن، والسعي في نمائه. (حتى يبلغ أشده) أي الرشد وزوال السفه مع البلوغ: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } 6 أمر بإقامة العدل في الأخذ =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (1 , وأحمد (3/22).
    2 سورة الأنعام آية : 151.
    3 سورة الأنعام آية : 151.
    4 سورة الأنعام آية : 151.
    5 سورة الأنعام آية : 152.
    6 سورة الأنعام آية : 152.

    ص -17- .................................................. ...........................................
    = والإعطاء.: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} 1 أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ الوسع وبذله الجهد فلا حرج عليه.: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} 2 أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد، فلا يميل إلى الحبيب والقريب.: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} 3. (وبعهد الله أوفوا) أي وبوصية الله التي وصاكم بها فأوفوا، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} 4 تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه.: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} 5 أي الذي أوصيكم به في هاتين الآيتين المشتملتين على ترك المنهيات وأعظمها الشرك، وفعل الواجبات وأعظمها التوحيد. صراطا مستقيما واضحا سهلا واسعا (فاتبعوه) وهذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم. و (أن) في موضع نصب أي: أتل (أن هذا صراطي) أي طريقي ومسلكي وشريعتي (مستقيما) قيما.
    والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا إليه، وهو شريعة الله لا اعوجاج فيه، ولا طريق إليه سواه، وقد جمع ثلاثة أمور: السهولة والسعة والقرب، فهو أقرب الطرق إلى الله وأوسعها وأسهلها، ولو اجتمع أهل الأرض وأضعاف أضعافهم لوسعهم، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسله بالطاعة. فأمر باتباعه ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة منها نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. (ولا تتبعوا السبل) البدع والشبهات، {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} 6 أي تميل وتشتت بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده. وهذه الآيات قيل: إنها المحكمات المذكورة في قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} 7 .
    وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده ثم قال "هذا سبيل الله مستقيما"، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وشماله، ثم =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنعام آية : 152.
    2 سورة الأنعام آية : 152.
    3 سورة المائدة آية : 8.
    4 سورة الأنعام آية : 152.
    5 سورة الأنعام آية : 153.
    6 سورة الأنعام آية : 153.
    7 سورة آل عمران آية : 7.

    ص -18- قال ابن مسعود رضي الله عنه (1): " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمة (2) فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}1 إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ}2 " الآية (3) .
    .................................................. ..................
    = قال: "وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}"3، وذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون)؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا، وكأن المصنف قال: كتاب التوحيد الذي هو الحكمة في إيجاد الثقلين كما في الآية الأولى، والذي هو الحكمة في إرسال الرسل كما في الآية الثانية، والذي هو أوجب الواجبات كما في الآية الثالثة والرابعة والخامسة، والذي ضده هو الشرك أعظم المحرمات كما في الآية الخامسة، والذي هو حق الرب على العباد الذي افترضه عليهم، ولا يقبل منهم سواه كما يأتي في حديث معاذ بن جبل، والذي حقيقته وتفسيره عبادة الله وحده لا شريك له كما في الآية الرابعة وحديث معاذ.
    (1) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن صحابي جليل، من السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان صاحب نعليه، وحدث عنه كثيرا، وأمّره عمر على الكوفة ومات سنة 32 هـ. وأثره هذا رواه الترمذي وغيره وحسنه.
    (2) بفتح التاء وكسرها، والخاتم حلقة ذات فص من غيرها. وحقيقة الختم الاستيثاق.
    (3) أي من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، فليقرأ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} 4 الآيات الثلاث؛ لأن كل آية =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنعام آية : 151.
    2 سورة الأنعام آية : 153.
    3 ابن ماجه : المقدمة (11) , وأحمد (3/397).
    4 سورة الأنعام آية : 151.

    ص -19- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه (1) قال: " كنت رديف
    .................................................. ..................
    = منها ختمت بقوله: (ذلكم وصاكم به)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما وصى به الله تعالى، فصارت وصية الله تعالى، ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعنى; ولذلك شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص. وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبها وختم عليها، وإنما هذه الآيات كأنها وصية ختمها الرسول صلى الله عليه وسلم فلا حاجة بنا أن يوصي، فإن الله قد وصى بما في هذه الآيات؛ لأن فيها ما يكفي عن توصية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ائتوئي بكتاب أكتب لكم فيه شيئا لا تضلوا بعدي "، وذلك في أثناء مرضه صلى الله عليه وسلم ، فحيل بينهم وبين أن يكتب، وكثر اللغط. فقال: "اخرجوا عني". فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين أن يكتب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية " فذكرهم ابن مسعود رضي الله عنه أن عندهم من القرآن ما يكفيهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما في كتاب الله.
    وفي صحيح مسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله "1. وروى الحاكم وصححه عن عبادة مرفوعا: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث "، ثم تلا {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..} 2 حتى فرغ من الآيات الثلاث. ثم قال: " من أوفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه " .
    (1) ابن عمرو بن أوس بن كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن صحابي جليل مشهور من أعيان الصحابة كان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن، قال -عليه السلام-: " يحشر أمام العلماء برتوة "3 أي بخطوة أو رمية سهم، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم، تم بعثه إلى اليمن قاضيا معلما، مات بالشام في طاعون عمواس سنة 18 هـ، وله 38.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 الترمذي : المناقب (378.
    2 سورة الأنعام آية : 151.
    3 أحمد (1/17).

    ص -20- النبي صلى الله عليه وسلم على حمار (1) فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، (2) وما حق العباد على الله؟ (3) قلت: الله ورسوله أعلم (4) .
    .................................................. ..................
    (1) وفي رواية: اسمه عفير، أهداه إليه المقوقس صاحب مصر. والرديف هو الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر.
    (2) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، وحق الله على العباد هو ما يستحقه عليهم من عبادته وحده. قال ابن القيم:
    حق الإله عبادة بالأمر لابهوى النفوس فذاك للشيطان
    من غير إشراك به شيئا هماسببا النجاة فحبذا السببان
    (3) ليس على الله حق واجب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، لكن هو سبحانه كتب ذلك على نفسه تفضلا وإحسانا، فهو متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده،: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} 1، كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق. قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق:
    ما للعباد عليه حق واجبكلا ولا سعي لديه ضائع
    إن عذبوا فبعدله أو نعموافبفضله وهو الكريم الواسع
    (4) فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم. قال ابن مسعود: " من كان عنده علم فليقل به، وإلا فليقل: الله أعلم " .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الروم آية : 6.

    ص -21- قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا(1)، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا(2). قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس (3)؟
    .................................................. ..................
    (1) أي يوحدوه بالعبادة ويفردوه، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده. بل هو مشرك قد جعل لله ندا في عبادته.
    وأصل العبادة التذلل والخضوع، قال الشيخ: (( العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل )). وعرفها ابن القيم فقال:
    وعبادة الرحمن غاية حبهمع ذل عابده هما قطبان
    وعليهما فلك العبادة دائرما دار حتى قامت القطبان
    ومداره بالأمر أمر رسولهلا بالهوى والنفس والشيطان
    قال المصنف: (( وفيه أن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه )) .
    (2) أي ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئا، والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، من العذب وهو المنع، فسمي عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله. قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم; إذ من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله (، ومن كذب الله فهو مشرك. وفي رواية: " ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار "1.
    (3) يعني بفضل التوحيد، وفضل من تمسك به عند الله، ففيه فضل التوحيد وعظم شأنه، وأنه حق الرب الذي أحقه وافترضه على عباده، ولا يقبل منهم سواه، وعظم شأن أهله، وهو ألا يعذبهم. وفيه تفسير التوحيد وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك به. وفيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : العلم (12 , ومسلم : الإيمان (32).

    ص -22- قال: لا تبشرهم فيتكلوا "1 (1) أخرجاه في الصحيحين (2).
    .................................................. ..................
    (1) وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا " أي يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة اعتمادا على ما يتبادر من ظاهر الحديث. وفي رواية: فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أي تحرجا من الإثم. قال أبو المظفر: ((لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة. فأما الأكياس فإذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم)) .
    قال المصنف: وفيه جواز كتمان العلم للمصلحة، والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. وسئل عن معنى هذا الحديث، ومعنى " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله "2 فقال: معنى حديث معاذ عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمرّوها كما جاءت، يعني نصوص الوعد والوعيد، وقوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " على ظاهره، وهو أن الله لو يستوفي حقه من عبده لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} 3 .
    (2) أي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللّذين هما أصح الكتب المصنفة. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك. روى عن أحمد والحميدي وابن المديني وطبقتهم، وعنه مسلم والنسائي والترمذي وغيرهم، ولد سنة 194 هـ، وتوفي سنة 256 هـ.
    و مسلم هو ابن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوحدان وغير ذلك، روى عن أحمد وابن معين وابن أبي شيبة والبخاري وطبقتهم، وعنه الترمذي وخلق. ولد سنة 204، وتوفي بنيسابور سنة 261 هـ.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الجهاد والسير (2856) , ومسلم : الإيمان (30) , والترمذي : الإيمان (2643) , وابن ماجه : الزهد (4296) , وأحمد (3/260 ,5/228 ,5/229 ,5/230 ,5/234 ,5/236 ,5/238 ,5/242).
    2 البخاري : الإيمان (4 , ومسلم : الإيمان (64) , والترمذي : البر والصلة (1983) والإيمان (2634 ,2635) , والنسائي : تحريم الدم (4105 ,4106 ,4108 ,4109 ,4110 ,4111 ,4112 ,4113) , وابن ماجه : المقدمة (69) والفتن (3939) , وأحمد (1/385 ,1/411 ,1/417 ,1/433 ,1/439 ,1/446 ,1/454 ,1/460(.
    3 سورة الزمر آية : 35.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الدولة
    ليبيا
    المشاركات
    754

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم على هذه الجهود الطيبة المباركة النافعة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    149

    حاشية كتاب التوحيد (الباب الثاني)

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته


    باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب (1)

    ص -23-
    وقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 1 (3).
    .................................................. ..................
    (1) "باب" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، و "ما" يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. أي باب بيان عظيم فضل التوحيد وتكفيره للذنوب وهو أشمل وأولى؛ لرفع وهم أن ثم ذنوبا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد، ولا ريب أن التوحيد أفضل الأعمال على الإطلاق، وأعظمها تكفيرا للذنوب، ولما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيل الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبا فيه، وتحذيرا من الشرك. والباب لغة: المدخل إلى الشيء. واصطلاحا: اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبا، وليس مرادهم الحصر بل إنه المقصود بالذات والمعظم.
    (2) أي أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنه سمي الشرك ظلما والمشرك ظالما؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها.
    (3) أي هم الآمنون في الدنيا والآخرة المهتدون إلى الصراط المستقيم، ولما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا أن الظلم =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنعام آية : 82.

    ص -24- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه (1)
    .................................................. ..................
    = المشروط هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: " ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 1 " . فبين صلى الله عليه وسلم أن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان أيضا من أهل الاصطفاء في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} 2، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة، الشرك، وظلم العباد في نفس أو مال أو عرض، وظلم نفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، كما لو ظلمها ببخله ببعض الواجبات حبا للمال، أو أحب ما يبغضه الله حتى يقدم هواه على محبة الله ونحو ذلك.
    وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "بشرك" الشرك الأكبر، فيؤخذ منه أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، بل مراده صلى الله عليه وسلم نفي نوعي الشرك، فإن أهل الكبائر معرضون للوعيد، مع أنها دون الشرك الأصغر بإجماع أهل السنة، ومع ذلك لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام، كما وردت به نصوص الكتاب والسنة، فصاحب الشرك الأصغر أولى بلحوق الوعيد له، فظهرت مطابقة الآية للترجمة، وذلك أن من مات على التوحيد لم يلبسه بشرك فله الأمن على ما تقدم، بخلاف غيره من الأعمال مع عدمه، فتبين بذلك أفضلية التوحيد وأنه السبب في النجاة من النار.
    (2) ابن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري أحد النقباء، شهد بدرا وما بعدها، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، مات بالرملة سنة 34 هـ، وله 72.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : أحاديث الأنبياء (3360) , ومسلم : الإيمان (124) , والترمذي : تفسير القرآن (3067) , وأحمد (1/378,1/424).
    2 سورة فاطر آية : 32.


    ص -25- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، (1)

    .................................................. ..................
    (1) أي من تكلم بها عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، فإن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كان عن جهل لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لابد من العلم بها والعمل والصدق. فبالعلم ينجو من طريقة النصارى، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين، و "وحده" تأكيد وبيان لمضمون معناها، حال من الاسم الشريف، وهو تأكيد للإثبات. و "لا شريك له" تأكيد للنفي، تأكيد بعد تأكيد، اهتمام بمقام التوحيد.
    قال النووي: (( هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين جميعهم )) ا هـ.
    ومعنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيا وإثباتا، فـ"لا إله" نفت الإلهية عن كل ما سوى الله. و "إلا الله" أثبتت الإلهية لله وحده، فنفت جميع ما يعبد من دون الله، وأثبتت العبادة لله وحده لا شريك له، والعبادة إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع.
    وقال شيخ الإسلام: (( الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع; ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وأهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله )) ا هـ.

    والحاصل أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك، وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم بمعناها، ولا اعتقاد ولا عمل بمقتضاها =

    ص -26- وأن محمدا عبده ورسوله، (1) وأن عيسى عبد الله ورسوله، (2)
    .................................................. ..................
    = من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل لله وحده فغير نافع بالإجماع، بل تكون حجة عليه. والمشركون الأولون جحدوها لفظا ومعنى، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: " قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا "1 قالوا: (أجعل الآلهة إلها واحدا). ومشركو زماننا أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها ويأله غير الله بأنواع العبادة، بل يخلصون العبادة في الشدائد لغير الله، فهم أجهل من مشركي العرب، والمتكلمة وغيرهم يزعمون أن معنى الإله هو القادر على الاختراع، وأن من أقر بأن الله وحده خالق كل شيء فهو الموحد، وليس الأمر كذلك حتى يشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه سبحانه وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بها.
    (1) أي وشهد أن محمدا عبده ورسوله بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه ولزوم سنته، وأتى بهاتين الصفتين وجمعهما رفعا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا، حتى جوزوا الاستغاثة به في جميع ما يستغاث بالله فيه، أو فرط بترك متابعته، والرضى عن سنته بالأوضاع والقوانين الباطلة، وشهادتهم ناقصة على حسب ما معهم من تلك الأمور. و "عبد" بمعنى "متعبد" عام، وبمعنى "عابد" خاص بمن عبد الله، وإضافته إلى الله إضافة تشريف كقوله: (أسرى بعبده)، ومعناه هنا المملوك العابد، والعبودية الخاصة وصفه، و "رسوله" أي مرسله بأداء شريعته.
    (2) وفي رواية: وابن أمته، خلافا لما يعتقده اليهود أنه ابن زانية. أو ما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فلابد أن يشهد أنه عبد الله ورسوله عن علم ويقين، بل لا يصح توحيد عبد علم بمقالتهم في عيسى حتى يتبرأ منهم ومن مقالتهم، ويأتي بما هو الحق في ذلك، وهو شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 أحمد (3/492).
    ص -27- وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، (1) والجنة حق والنار حق، (2) أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" " (3) أخرجاه 1.
    .................................................. ..................
    (1) أي خلقه من أنثى بلا ذكر بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل إلى مريم فنفخ في جيب درعها قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 2 خلقه بقوله: (كن)، وأوجده بقدرته وحكمته، فكان بقوله: (كن)، وسمى كلمة؛ لوجوده بقوله تعالى: (كن)، فليس هو (كن)، ولكن كان ب (كن)، ف (كن) من الله قولا، وليس (كن) مخلوقا، وعيسى روح من الأرواح التي خلقها واستنطقها، وأخذ عليها الميثاق بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} 3 بعثه إلى مريم فدخل فيها. قال الحافظ: (( وصفه بأنه منه فالمعنى أنه كائن منه، أي مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته )) ا هـ.
    والمضاف إلى الله إذا كان عينا قائمة بنفسها كعيسى امتنع أن تكون صفة لله، وإنما هو إضافة مخلوق إلى خالقه، وهو على قسمين: إضافة تشريف وتكريم كبيت الله، وخليل الله، وروح الله. وإضافة لا تقتضي تشريفا كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} 4 أي كائنة منه كونها وأوجدها سبحانه، وأما إذا كان المضاف إليه معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات كالسمع والبصر، وجب أن يكون صفة لله قائما به، وفيه إثبات صفة الكلام خلافا للجهمية، فإنهم جعلوا كلام الله مخلوقا، والنصارى جعلوا كلامه معبودا.
    (2) أي وشهد أن الجنة التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها للمتقين حق ثابتة لا شك فيها، وأن النار التي أخبر أنه أعدها للكافرين حق ثابتة، وأنهما الآن مخلوقتان موجودتان.
    (3) أي على ما كان فيه من صلاح أو فساد، وهذه الجملة جواب الشرط، أي من شهد إلى آخره أدخله الله الجنة بإخلاصه وصدقه والإيمان برسوله وما أرسل به، وإن كان مقرا وله ذنوب، فهذه الحسنة العظيمة ترجح بجميع السيئات =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : أحاديث الأنبياء (3435) , ومسلم : الإيمان (2 , وأحمد (5/313).
    2 سورة آل عمران آية : 59.
    3 سورة الأعراف آية : 172.
    4 سورة الجاثية آية : 13.

    ص -28- ولهما في حديث عتبان (1) " فإن الله حرم على من قال لا إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ?"1 (2).
    .................................................. ..................
    = فإنه يدخل الجنة على أحد ثلاثة تقادير. إما أن يلقى الله سالما من جميع الذنوب فيدخلها من أول وهلة، أو يلقى الله وهو مصر على كبيرة أو ذنب، وهو بين أمرين إما أن يعفو الله عنه فيدخله الجنة، أو يجازيه بجرمه ثم يدخله الجنة، ففيه فضل التوحيد وذلك أن من مات على التوحيد فمصيره إلى الجنة بكل حال.
    (1) أي وللبخاري ومسلم في حديث طويل أخرجاه في صحيحيهما بكماله، وهذا طرف منه، عن عتبان بكسر العين بن مالك بن عمرو بن العجلان الخزرجي السالمي، صحابي مشهور بدري مات في خلافة معاوية.
    (2) هذا هو حقيقة معناها، فإن من قالها يبتغي بها وجه الله لا بد أن يعمل بما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، فإن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو ولوجود مانع، ومما قيدت به في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : "غير شاك" وفي الصحيح: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة "2. وفي رواية: " ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار "3، ولمسلم: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "4، وله أيضا: " من لقيت يشهد ألا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة "5، وفيهما مرفوعا: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة "6، فيحمل المطلق على المقيد .
    قال شيخ الإسلام وغيره: قالها بصدق وإخلاص ويقين ومات على ذلك، فإن حقيقة التوحيد انجذاب القلب إلى الله جملة بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الصلاة (425) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (33).
    2 البخاري : العلم (129) , وأحمد (3/157 ,3/244).
    3 البخاري : العلم (12 , ومسلم : الإيمان (32).
    4 مسلم : الإيمان (27) , وأحمد (2/421).
    5 مسلم : الإيمان (31).
    6 البخاري : اللباس (5827) , ومسلم : الإيمان (94) , وأحمد (5/166).

    ص -29- .................................................. ...........................................
    = ممن يقولها يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، ومن شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال.
    قال الشارح وغيره: لا بد في شهادة ألا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها:
    (أحدها) العلم المنافي للجهل. (الثاني) اليقين المنافي للشك. (الثالث) القبول المنافي للرد. (الرابع) الانقياد المنافي للترك. (الخامس) الإخلاص المنافي للشرك. (السادس) الصدق المنافي للكذب. (السابع) المحبة المنافية لضدها. ونظمها بعضهم فقال:
    علم يقين وإخلاص وصدقك معمحبة وانقياد والقبول لها
    وركناها النفي والإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده، وأكثر من يقولها اليوم لا يعرف معناها، ولا يعرف الإخلاص ولا اليقين، أو يقولها تقليدا أو عادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالبهم من يفتن عند الموت، وفي الحديث: " سمعت الناس يقولون شيئا فقلته "1، وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرمه الله ولا كراهة لما أمر الله به، وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصرا على ذلك فإنه يستوجب النار، وإن قال لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة فيضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : العلم (86) , ومسلم : الكسوف (905) , وأحمد (6/345) , ومالك : النداء للصلاة (447).

    ص -30- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال موسى عليه السلام: (2) يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به (3).
    .................................................. ..................
    = مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم.
    فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا القلب، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غير الله، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، فلا يقوى قولها على محو السيئات، فترجح سيئاته على حسناته. قال الحسن: " ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال " اهـ.
    وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وأن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى.
    (1) واسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري مشهور بكنيته ونسبته إلى بني خدرة، صحابي جليل وأبوه صحابي، استصغر بأحد وشهد ما بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا وأبي بكر وعمر وغيرهما، وعنه جمع من الصحابة والتابعين، مات سنة 74 هـ.
    (2) ابن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق رسول بني إسرائيل، وكليم الرحمن، قيل: ولد قبل عيسى سنة 1571، وتوفي سنة 1451.
    (3) أي علمني شيئا يجتمع لي فيه الأمران أثني عليك به وأحمدك وأسألك به.

    ص -31- قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. (1) قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا (2)
    .................................................. ..................
    (1) أي فإذا قلتها فقد دعوتني وأثنيت علي، فإن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة نحو: لا إله إلا الله وسبحان الله، وهو مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة نحو "رب اغفر لي" متضمن لدعاء العبادة، وذلك أنه مأمور بهذا فإذا فعله فهو فاعل عبادة، ولا إله إلا الله اشتملت على الأمرين بل أعلاهما وأولاهما، وهي أكثر الأذكار وجودا وأيسرها حصولا، فإن أحرفها كلها جوفية ليس فيها حرف شفوي، فيمكن قائلها أن يقولها من غير فتح فمه، وهو أسلم وأبعد عن الرياء، وفي كونها جوفية أيضا إشارة إلى أنها تخرج من القلب; وأحرفها كلها مهملة فتنبئ عن التجرد من كل معبود سوى الله، وهي أفضل الأذكار وأعظمها معنى، فهي الكلمة العظيمة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وكلمة الإخلاص، وهي التي قامت بها السماوات والأرض، وشرعت لتكميلها السنة والفرض، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، فمن قالها وعمل بها صدقا وإخلاصا وقبولا ومحبة أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ولا يقتصر على لفظ الجلالة ولا على "هو" كما يفعله غلاة المتصوفة، فإن ذلك بدعة وضلالة، و "لا" نافية للجنس نفيا عاما إلا ما استثني، وخبرها محذوف تقديره لا إله حق إلا الله. قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} 1. فإلهيته تعالى هي الحق، وكل ما سواه من الآلهة فإلهيته باطلة.
    (2) وفي رواية: قد علمت ألا إله إلا الله، أي وإنما أريد شيئا تخصني به من بين عموم عبادك، فإن من طبع الإنسان ألا يشتد فرحه جدا إلا بشيء يختص به دون غيره، مع أن من رحمة الله وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الحج آية : 62.


    ص -32- قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، (1) والأرضين السبع في كفة، (2) ولا إله إلا الله في كفة، (3) مالت بهن لا إله إلا الله " .(4)

    .................................................. ..................
    = كان أكثر وجودا كالهواء والماء والملح، ولما كان النطق بلا إله إلا الله ضرورة فطرية كانت أكثر الأذكار وأيسرها وأفضلها وأعظمها. قال الشارح: (( وثبت بخط المصنف "يقولون" بالجمع، والذي في الأصول "يقول" بالإفراد، وهو في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ الجمع )).
    (1) عامر بالنصب عطف على السماوات أي لو أن السماوات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى، فاستثنى ممن في السماوات نفسه المقدسة؛ لأنه العلي الأعلى تعالى وتقدس، وهو العلي العظيم علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، وجميع المخلوقات في كف الرحمن كالخردلة في يد أحدنا.
    (2) بكسر الكاف وتشديد الفاء أي وضعن في كفة الميزان.
    (3) يعني في كفة الميزان الأخرى. وفيه إثبات الميزان، وأنه حق، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} 1 توزن فيه الصحائف التي تكون أعمال العباد مكتوبة فيها، وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات بإجماع السلف.

    (4) أي رجحت بهن، فدل على عظم شأنها، وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين، ولما يجتمع لقائلها من الذكر والدعاء، وما يحصل له من تكفير الذنوب والخطايا، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها، واستقام على ذلك دخل الجنة، فإن هذه الحسنة لا يوازنها شيء. وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن نوحا عليه السلام قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنبياء آية : 47.
    ص -33- رواه ابن حبان والحاكم وصححه. (1)
    .................................................. ..................
    = السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله "1. وهي أفضل الذكر. ففي الحديث الصحيح: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وعلى كل شيء قدير "2 .
    وللنسائي وابن ماجه وغيرهما: " أفضل الذكر لا إله إلا الله "3. وللترمذي وغيره: " دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت "4، وله أيضا وحسنه وصححه الذهبي: " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " .
    قال الشيخ: (( ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة؛ لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات)). وقال ابن القيم: (( والأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض )).
    قال: وتأمل حديث البطاقة، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، والكثير منهم يدخل النار بذنوبه، بل اليهود أكثر من يقولها، والذي يقولها ويخالفها أعظم كفرا ممن يجحدها أصلا؛ فإن الكافر الأصلي أهون كفرا من المرتد.
    (1) ابن حبان: بكسر الحاء محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد ابن مرة بن هدبة بن سعد الدارمي، أبو حاتم التميمي البستي الشافعي الحافظ، صاحب التصانيف منها: الصحيح، والتاريخ، والثقات، والضعفاء، روى عن النسائي وأبي يعلى =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 أحمد (2/169).
    2 الترمذي : الدعوات (3585).
    3 الترمذي : الدعوات (3383) , وابن ماجه : الأدب (3800).
    4 الترمذي : الدعوات (3505) , وأحمد (1/170).

    ص -34- وللترمذي (1) وحسنه عن أنس: (2)
    .................................................. ..................
    = وابن خزيمة وخلق، وعنه الحاكم وغيره، قال الحاكم: (( كان من أوعية العلم ومن عقلاء الرجال)). مات بمدينة بست في عشر الثمانين سنة 354 هـ.
    و الحاكم: هو محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمدويه، أبو عبد الله الضبي النيسابوري الشافعي الإمام الحافظ الرحال، سمع من نحو ألفي شيخ منهم: الدارقطني والقفال والبيهقي وغيرهم، يعرف بابن البيع، صاحب التصانيف منها: المستدرك وتاريخ نيسابور. قال أبو حاتم: (( قام الإجماع على ثقته)). ولد سنة 321 هـ، ومات سنة 405 هـ. وصححه أي قال: هذا حديث صحيح أي ثابت على شرط الشيخين، وما انفرد بتصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن، وأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم.
    (1) واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل: ابن السكن السلمي أبو عيسى صاحب الجامع وأحد الحفاظ، وله في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره، وكان ضرير البصر. وترمذ: نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون مات بها سنة 279 هـ. وقال: (( أردت بالحسن ما لا يكون في سنده متهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه )). وقال الشيخ: (( الحسن في اصطلاحه ما روى من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا شاذ، ولا مخالف للأحاديث الصحيحة )).
    (2) رضي الله عنه ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الخزرجي الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خدمه عشر سنين، وقال له: (( اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة )). قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن عشر، فقالت أمه: هذا غلام يخدمك. آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة 92 هـ، وقد جاوز المائة.


    ص -35- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، (1) ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا (2) لأتيتك بقرابها مغفرة (3) "1

    .................................................. ..................
    (1) قراب بضم القاف: ملؤها أو ما يقارب ملأها.
    (2) أي ثم مت حال كونك لا تشرك بي شيئا، وهذا شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن أتى بلا إله إلا الله وهو مشرك لم تصح منه أصلا، ولم ترجح حسناته بسيئاته، ولا يحرم على النار.
    (3) أي ملء الأرض، ذكر المصنف -رحمه الله- آخر الحديث وهو حديث قدسي، وأوله: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني"2 إلخ. وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي ذر: " ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة "3. وأخرج الطبراني في الثلاثة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى: يا ابن آدم مهما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئهن من المغفرة وغفرت لك ولا أبالي "4 حسنه السيوطي.

    فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، فإن أكمل العبد توحيده وأخلصه لله، وقام بشروطه أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب، ومنعه من دخول النار، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ولو كانت قراب الأرض. وفيه سعة كرم الله وجوده، وكثرة ثواب التوحيد وتكفيره الذنوب. قال المصنف: =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 الترمذي : الدعوات (3540).
    2 الترمذي : الدعوات (3540).
    3 مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2687) , وابن ماجه : الأدب (3821) , وأحمد (5/153).
    4 الترمذي : الدعوات (3540).
    ص -36- .................................................. ...........................................
    = تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه، وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله "1 أن ترك الشرك ليس قولها باللسان فقط، فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الأطعمة (5401) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (33).

  4. #4
    المنهاج غير متواجد حالياً نرجو من العضو أن يراسل الإدارة لتغيير الاسم وفق النظام
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    728

    افتراضي

    جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب ااثالث)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب (1)

    ص -37-وقول الله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1. (2)
    .................................................. ..................
    (1) أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام.
    (2) وصف الله خليله -عليه السلام- بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وأثنى عليه بها فقال: (كان أمة) أي إماما على الحنيفية، قدوة يقتدى به، معلما للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، والقولان متلازمان، فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء، يقتدون به في ذلك. (قانتا) أي خاشعا مطيعا، والقنوت دوام الطاعة، والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى : ( أمن=
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة النحل آية : 120.

    ص -38- وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ}. (1)
    .................................................. ..................
    =: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 1. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2 فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 3، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان.
    قال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 4 إلى قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ}فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 5. وقال المصنف: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} 6) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، {قَانِتاً لِلَّهِ}لا للملوك ولا للتجار المترفين. {حَنِيفاً}لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 7 خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين.
    (1) وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} 8 خائفون وجلون.: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} 9 أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} 10 لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الزمر آية : 9.
    2 سورة النحل آية : 120.
    3 سورة الزخرف آية : 26.
    4 سورة مريم آية : 48.
    5 سورة الممتحنة آية : 4.
    6 سورة النحل آية : 120.
    7 سورة النحل آية : 120.
    8 سورة المؤمنون آية : 57.
    9 سورة المؤمنون آية : 58.
    10 سورة المؤمنون آية : 59.


    ص -39- عن حصين بن عبد الرحمن (1) قال: كنت عند سعيد بن جبير (2) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة (3)؟ فقلت: أنا (4)

    .................................................. ..................

    = الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر.

    (1) رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة 136 هـ، وله 93.
    (2) رحمه الله هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة 95 هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة.
    (3) أي كوكبا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله.
    (4) أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.








    ص -40- ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة (1) ولكني لدغت، (2) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، (3) قال: فما حملك على ذلك؟ (4) قلت: حديث حدثناه الشعبي (5). قال: وما حدثكم؟(6)
    .................................................. ..................
    (ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول.
    (2) بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي.
    (3) لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني.
    (4) سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديا أولا؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب.
    (5) رحمه الله هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول: (( ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته )). مات سنة 103 هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ.
    (6) يعني الشعبي به من جواز الرقية.


    ص -41- قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب (1) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "1. (2) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، (3)

    .................................................. ..................

    (1) ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة 62 هـ.

    (2) أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقا صلى الله عليه وسلم ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوا كان العائن أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه. و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب.
    (3) أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل وبه، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 مسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).

    ص -42- ولكن حدثنا ابن عباس (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عرضت علي الأمم (2) فرأيت النبي ومعه الرهط (3)، والنبي ومعه الرجل والرجلان (4)، والنبي وليس معه أحد (5)،
    .................................................. ..................
    (1) عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ابن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "1، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة 68 هـ. قال المصنف: (( وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني )) ا هـ. فإن حصين ابن عبد الرحمن رضي الله عنه انتهى إلى ما سمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل.
    (2) الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله تبارك وتعالى أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة.
    (3) والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه.
    (4) أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه.
    (5) أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف: (( وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة )).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 البخاري : الوضوء (143) , ومسلم : فضائل الصحابة (2477).

    ص -43- إذ رفع لي سواد عظيم (1) فظننت أنهم أمتي (2)، فقيل لي: هذا موسى وقومه (3)، فنظرت فإذا سواد عظيم (4) فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (5) " 1 .
    .................................................. ..................
    (1) السواد: ضد البياض، أي رفع لي أشخاص كثيرة، من بعد لا أدري من هم.
    (2) لكثرتهم، وإنما ظن ذلك لما أوحي إليه وأطلع عليه من كثرة أمته، ولم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الأشخاص التي ترى من بعد لا يدرك منها إلا الصورة.
    (3) أي موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل، ففيه فضيلة أتباعه منهم، وأنهم كثيرون جدا، بل هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} 2 أي في زمانهم، وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر خلقا لا يحصون كحزب جالوت وبختنصر وغيرهم.
    (4) وفي رواية: "قد سد الأفق". وفي صحيح مسلم: " ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق "3.
    (5) لتحقيقهم التوحيد، وفيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقد كثروا في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فملؤوا القرى والأمصار والقفار، وكثر فيهم العلم، وما زالوا على السنة في القرون الثلاثة المفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان حقيقة لا دعوى، لا سيما وقد كثرت فيهم عبادة غير الله، واستحلال كثير من المحرمات، قال المصنف: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية والكمية الكثرة والعدد، والكيفية =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).
    2 سورة الجاثية آية : 16.
    3 البخاري : الطب (5705) , ومسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).






    ص -44- ثم نهض فدخل منزله (1)، فخاض الناس في أولئك (2) فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (3) وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا(4)،
    .................................................. ..................
    = فضيلتهم في صفاتهم، وفي رواية: " ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا "1. وفي رواية: " تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر "2. وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا "3. قال الحافظ: (( وسنده جيد )).
    ولمسلم: " مع كل واحد منهم سبعون ألفا "4 .
    (1) أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، فدخل منزله أي داره، وله تسعة أبيات بحجرها من جريد مشورة بمسوح الشعر عن يسار المصلي، قبل أن يزاد المسجد، ثم أدخلت فيه بعد ذلك.
    (2) أي تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال. وفي لفظ: فتذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرع على وجه الاستفادة ولو كان بغير علم، وجواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل، لكن لا يجزم بصواب نفسه، قال المصنف: (( وفيه عمق علم السلف؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير )).
    (3) فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، لا كان ولا يكون مثلهم.
    (4) من أن لهم مزية على من ولد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل كما في الحديث: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "5. وكما وقع لعمر وخالد وغيرهما.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الطب (5705) , ومسلم : الإيمان (220) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2446) , وأحمد (1/271).
    2 البخاري : الرقاق (6542) , ومسلم : الإيمان (216) , وأحمد (2/400 ,2/502).
    3 أحمد (2/359).
    4 مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (770) , والترمذي : الدعوات (3420) , والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1625) , وأبو داود : الصلاة (767) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) , وأحمد (6/156).
    5 البخاري : أحاديث الأنبياء (3353) , ومسلم : الفضائل (237 , وأحمد (2/257 ,2/260 ,2/391 ,2/431 ,2/438 ,2/485 ,2/498 ,2/539).

    ص -45- وذكروا أشياء (1)، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه (2) فقال: " هم الذين لا يسترقون (3) ولا يكتوون (4)
    .................................................. ..................
    (1) أي غير هاتين الخصلتين. وفي رواية: قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا.
    (2) بما تفاوضوا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
    (3) أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: "ولا يرقون" قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : "ولا يرقون"، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الرقى فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل "1. وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا "2. وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، ورقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم.
    (4) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله: "ولا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه "3. " وكوى أنس من ذات الجنب، والنبي صلى الله عليه وسلم حي "4. رواه البخاري. وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي "5. وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوى"6.
    قال ابن القيم: (( قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها؛ =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : السلام (2199).
    2 مسلم : السلام (2200) , وأبو داود : الطب (3886).
    3 مسلم : السلام (2207) , وأبو داود : الطب (3864) , وابن ماجه : الطب (3493) , وأحمد (3/315).
    4 البخاري : الطب (5721).
    5 البخاري : الطب (5680) , وابن ماجه : الطب (3491) , وأحمد (1/245).
    6 البخاري : الطب (5683) , ومسلم : السلام (2205) , وأحمد (3/343).


    ص -46- ولا يتطيرون (1) وعلى ربهم يتوكلون (2) .

    .................................................. ..................

    = فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة )) ا هـ.

    فمن تركهما توكلا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدا وتصبرا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه.
    (1) أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها. ويأتي بيان الطيرة في بابها إن شاء الله تعالى.
    (2) فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى، والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، وعطفه على تلك من عطف العام على الخاص؛ لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا؛ لما في الصحيحين: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله "1. وأخرج أحمد " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" "2 . =



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 البخاري : الطب (567 , وابن ماجه : الطب (3439).


    2 الترمذي : الطب (203 , وأبو داود : الطب (3855) , وابن ماجه : الطب (3436).

    ص -47- فقام عكاشة بن محصن (1) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم(2). ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم (3)، قال: سبقك بها عكاشة "1 (4).
    .................................................. ..................
    قال ابن القيم: (( وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكل، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا )).
    (1) بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد ابن حرثان بضم الحاء ابن قيس بن مرة الأسدي، من السابقين، شهد بدرا، واستشهد في قتال الردة مع خالد بيد طليحة سنة 12 هـ.
    (2) وفي رواية للبخاري: " اللهم اجعله منهم "2. فقتل شهيدا. وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر. وفي رواية: منهم أنا؟ قال: "نعم".
    (3) ذكره مبهما، ولا حاجة إلى البحث عن اسمه.
    (4) أي قال ذلك سدا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فيرد، فيعرفه الحاضرون، وسبق إلى الأمر بادر إليه، وسبقه إليه تقدمه وخلفه.
    فال المصنف: (( وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل أنت منهم، ولا لست منهم )). والحديث أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ومطولا، ومسلم واللفظ له، والترمذي وغيرهم.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (218 ),وأحمد (4/436 ,4/443).
    2 البخاري : اللباس (5811) , ومسلم : الإيمان (216) , وأحمد (2/400 ,2/456 ,2/502).


    تم نقل المشاركة
    كتبه أخوكم شـرف الدين بن امحمد بن بـوزيان تيـغزة

    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب الرابع)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب (1)

    ص -37-وقول الله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1. (2)
    .................................................. ..................
    (1) أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام.
    (2) وصف الله خليله -عليه السلام- بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وأثنى عليه بها فقال: (كان أمة) أي إماما على الحنيفية، قدوة يقتدى به، معلما للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، والقولان متلازمان، فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء، يقتدون به في ذلك. (قانتا) أي خاشعا مطيعا، والقنوت دوام الطاعة، والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى : ( أمن=
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة النحل آية : 120.

    ص -38- وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ}. (1)
    .................................................. ..................
    =: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 1. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2 فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 3، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان.
    قال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 4 إلى قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ}فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 5. وقال المصنف: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} 6) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، {قَانِتاً لِلَّهِ}لا للملوك ولا للتجار المترفين. {حَنِيفاً}لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 7 خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين.
    (1) وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} 8 خائفون وجلون.: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} 9 أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} 10 لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الزمر آية : 9.
    2 سورة النحل آية : 120.
    3 سورة الزخرف آية : 26.
    4 سورة مريم آية : 48.
    5 سورة الممتحنة آية : 4.
    6 سورة النحل آية : 120.
    7 سورة النحل آية : 120.
    8 سورة المؤمنون آية : 57.
    9 سورة المؤمنون آية : 58.
    10 سورة المؤمنون آية : 59.


    ص -39- عن حصين بن عبد الرحمن (1) قال: كنت عند سعيد بن جبير (2) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة (3)؟ فقلت: أنا (4)

    .................................................. ..................

    = الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر.

    (1) رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة 136 هـ، وله 93.
    (2) رحمه الله هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة 95 هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة.
    (3) أي كوكبا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله.
    (4) أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.








    ص -40- ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة (1) ولكني لدغت، (2) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، (3) قال: فما حملك على ذلك؟ (4) قلت: حديث حدثناه الشعبي (5). قال: وما حدثكم؟(6)
    .................................................. ..................
    (ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول.
    (2) بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي.
    (3) لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني.
    (4) سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديا أولا؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب.
    (5) رحمه الله هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول: (( ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته )). مات سنة 103 هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ.
    (6) يعني الشعبي به من جواز الرقية.


    ص -41- قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب (1) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "1. (2) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، (3)

    .................................................. ..................

    (1) ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة 62 هـ.

    (2) أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقا صلى الله عليه وسلم ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوا كان العائن أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه. و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب.
    (3) أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل وبه، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 مسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).

    ص -42- ولكن حدثنا ابن عباس (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عرضت علي الأمم (2) فرأيت النبي ومعه الرهط (3)، والنبي ومعه الرجل والرجلان (4)، والنبي وليس معه أحد (5)،
    .................................................. ..................
    (1) عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ابن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "1، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة 68 هـ. قال المصنف: (( وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني )) ا هـ. فإن حصين ابن عبد الرحمن رضي الله عنه انتهى إلى ما سمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل.
    (2) الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله تبارك وتعالى أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة.
    (3) والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه.
    (4) أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه.
    (5) أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف: (( وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة )).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 البخاري : الوضوء (143) , ومسلم : فضائل الصحابة (2477).

    ص -43- إذ رفع لي سواد عظيم (1) فظننت أنهم أمتي (2)، فقيل لي: هذا موسى وقومه (3)، فنظرت فإذا سواد عظيم (4) فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (5) " 1 .
    .................................................. ..................
    (1) السواد: ضد البياض، أي رفع لي أشخاص كثيرة، من بعد لا أدري من هم.
    (2) لكثرتهم، وإنما ظن ذلك لما أوحي إليه وأطلع عليه من كثرة أمته، ولم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الأشخاص التي ترى من بعد لا يدرك منها إلا الصورة.
    (3) أي موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل، ففيه فضيلة أتباعه منهم، وأنهم كثيرون جدا، بل هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} 2 أي في زمانهم، وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر خلقا لا يحصون كحزب جالوت وبختنصر وغيرهم.
    (4) وفي رواية: "قد سد الأفق". وفي صحيح مسلم: " ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق "3.
    (5) لتحقيقهم التوحيد، وفيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقد كثروا في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فملؤوا القرى والأمصار والقفار، وكثر فيهم العلم، وما زالوا على السنة في القرون الثلاثة المفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان حقيقة لا دعوى، لا سيما وقد كثرت فيهم عبادة غير الله، واستحلال كثير من المحرمات، قال المصنف: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية والكمية الكثرة والعدد، والكيفية =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).
    2 سورة الجاثية آية : 16.
    3 البخاري : الطب (5705) , ومسلم : الإيمان (220) , وأحمد (1/271).






    ص -44- ثم نهض فدخل منزله (1)، فخاض الناس في أولئك (2) فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (3) وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا(4)،
    .................................................. ..................
    = فضيلتهم في صفاتهم، وفي رواية: " ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا "1. وفي رواية: " تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر "2. وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا "3. قال الحافظ: (( وسنده جيد )).
    ولمسلم: " مع كل واحد منهم سبعون ألفا "4 .
    (1) أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، فدخل منزله أي داره، وله تسعة أبيات بحجرها من جريد مشورة بمسوح الشعر عن يسار المصلي، قبل أن يزاد المسجد، ثم أدخلت فيه بعد ذلك.
    (2) أي تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال. وفي لفظ: فتذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرع على وجه الاستفادة ولو كان بغير علم، وجواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل، لكن لا يجزم بصواب نفسه، قال المصنف: (( وفيه عمق علم السلف؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير )).
    (3) فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، لا كان ولا يكون مثلهم.
    (4) من أن لهم مزية على من ولد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل كما في الحديث: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "5. وكما وقع لعمر وخالد وغيرهما.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الطب (5705) , ومسلم : الإيمان (220) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2446) , وأحمد (1/271).
    2 البخاري : الرقاق (6542) , ومسلم : الإيمان (216) , وأحمد (2/400 ,2/502).
    3 أحمد (2/359).
    4 مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (770) , والترمذي : الدعوات (3420) , والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1625) , وأبو داود : الصلاة (767) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) , وأحمد (6/156).
    5 البخاري : أحاديث الأنبياء (3353) , ومسلم : الفضائل (237 , وأحمد (2/257 ,2/260 ,2/391 ,2/431 ,2/438 ,2/485 ,2/498 ,2/539).

    ص -45- وذكروا أشياء (1)، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه (2) فقال: " هم الذين لا يسترقون (3) ولا يكتوون (4)
    .................................................. ..................
    (1) أي غير هاتين الخصلتين. وفي رواية: قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا.
    (2) بما تفاوضوا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
    (3) أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: "ولا يرقون" قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : "ولا يرقون"، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الرقى فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل "1. وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا "2. وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، ورقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم.
    (4) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله: "ولا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه "3. " وكوى أنس من ذات الجنب، والنبي صلى الله عليه وسلم حي "4. رواه البخاري. وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي "5. وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوى"6.
    قال ابن القيم: (( قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها؛ =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : السلام (2199).
    2 مسلم : السلام (2200) , وأبو داود : الطب (3886).
    3 مسلم : السلام (2207) , وأبو داود : الطب (3864) , وابن ماجه : الطب (3493) , وأحمد (3/315).
    4 البخاري : الطب (5721).
    5 البخاري : الطب (5680) , وابن ماجه : الطب (3491) , وأحمد (1/245).
    6 البخاري : الطب (5683) , ومسلم : السلام (2205) , وأحمد (3/343).


    ص -46- ولا يتطيرون (1) وعلى ربهم يتوكلون (2) .

    .................................................. ..................

    = فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة )) ا هـ.

    فمن تركهما توكلا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدا وتصبرا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه.
    (1) أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها. ويأتي بيان الطيرة في بابها إن شاء الله تعالى.
    (2) فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى، والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، وعطفه على تلك من عطف العام على الخاص؛ لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا؛ لما في الصحيحين: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله "1. وأخرج أحمد " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" "2 . =



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    1 البخاري : الطب (567 , وابن ماجه : الطب (3439).


    2 الترمذي : الطب (203 , وأبو داود : الطب (3855) , وابن ماجه : الطب (3436).

    ص -47- فقام عكاشة بن محصن (1) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم(2). ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم (3)، قال: سبقك بها عكاشة "1 (4).
    .................................................. ..................
    قال ابن القيم: (( وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات;، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكل، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا )).
    (1) بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد ابن حرثان بضم الحاء ابن قيس بن مرة الأسدي، من السابقين، شهد بدرا، واستشهد في قتال الردة مع خالد بيد طليحة سنة 12 هـ.
    (2) وفي رواية للبخاري: " اللهم اجعله منهم "2. فقتل شهيدا. وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر. وفي رواية: منهم أنا؟ قال: "نعم".
    (3) ذكره مبهما، ولا حاجة إلى البحث عن اسمه.
    (4) أي قال ذلك سدا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فيرد، فيعرفه الحاضرون، وسبق إلى الأمر بادر إليه، وسبقه إليه تقدمه وخلفه.
    فال المصنف: (( وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل أنت منهم، ولا لست منهم )). والحديث أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ومطولا، ومسلم واللفظ له، والترمذي وغيرهم.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (218 ),وأحمد (4/436 ,4/443).
    2 البخاري : اللباس (5811) , ومسلم : الإيمان (216) , وأحمد (2/400 ,2/456 ,2/502).


    تم نقل المشاركة

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب الخامس)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله (1)


    ص -54-
    وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (2) الآية 1
    .................................................. ..................
    (1) لما ذكر المصنف التوحيد وفضله وتحقيقه وما يوجب الخوف من ضده، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، فإن الرجل إذا علم وجب عليه العمل، فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله، حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى طريقهم وطريق أتباعهم، قال الحسن لما تلا : {مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}2، قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته "، وقال: {إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 3 هذا خليفة الله. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به وبما جاءت به رسله، وذلك يتضمن الدعوة إلى أركان الإسلام وأصول الإيمان والإحسان، بل الأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا تتم إلا بذلك، وأول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة، كما كان شأن المرسلين وأتباعهم كالمصنف رحمه الله، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره.
    (2) يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله وحده طريقتي ومسلكي ودعوتي إلى الله وحده لا شريك له، لا إلى حظ ولا رياسة، بل إلى الله، على بصيرة بذلك ويقين وبرهان وعلم مني به (أنا ومن =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة يوسف آية : 108.
    2 سورة فصلت آية : 33.
    3 سورة فصلت آية : 33.

    ص -55- .................................................. .......................................
    = اتبعني) أي ويدعو إليه على بصيرة أيضا من اتبعني وصدقني وآمن بي، والبصيرة المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل، وهي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء. (وسبحان الله) أي أنزه الله وأعظمه وأقدسه وأجله عن أن يكون له شريك في ملكه أو نظير أو نديد، تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا. {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1 في الاعتقاد والعمل والمسكن، لست منهم ولا هم مني، بأي نسبة كانوا بحيث لا يعد منهم بوجه من الوجوه، إن نظر في الاجتماعات فليس منهم، وإن جلسوا في المجالس فليس منهم، وإن خرجوا إلى المحافل فليس منهم، فليس منهم في أي حال من الأحوال، وفيه وجوب الهجرة، وهو معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، وبذلك يظهر وجه المطابقة بين الآية والترجمة. والنصوص في الدعوة إلى الله كثيرة كقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 2. وقوله:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} 3. وهي واجبة على من اتبعه أن يدعو إلى الله كما دعا إليه. وذكر ابن القيم أن مراتب الدعوة ثلاثة أقسام: وذلك بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبا للحق محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن.
    ولا بد في الدعوة إلى الله من شرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، وأن تكون على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون الداعي عارفا بما يدعو إليه، فإن أخل بالأول كان مشركا، وإن أخل بالثاني كان مبتدعا.
    وقال الشيخ: يحتاج إلى شروط كما في الحديث، ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنعام آية : 79.
    2 سورة النحل آية : 125.
    3 سورة فصلت آية : 33.

    ص -56- وعن ابن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن (1). قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب (2) فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله "1 (3)
    .................................................. ..................
    = حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر: ليعرف المعروف فيأمر به، ويعرف المنكر فينكره، والرفق عند الأمر: ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر: ليصبر على أذى المأمور المنهي.
    وقال المصنف: (( فيه أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه صلى الله عليه وسلم ، وفيه التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه، وأن البصيرة من الفرائض، وأن من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله عن المسبة. وأن من دلائل قبح الشرك كونه مسبة لله، وفيه إبعاد المسلم عن المشركين ألا يصير منهم ولو لم يشرك )).
    (1) أرسله داعيا إلى الله سنة عشر قبل حجه صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل على اليمن واليا وقاضيا إلى أن قدم في خلافة أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها. قال الشيخ: (( ومن فضائله أنه بعثه إلى اليمن مبلغا عنه ومفقها ومعلما وحاكما )) ا هـ. وفيه مشروعية بعث الإمام الدعاة إلى الجهات يدعون إلى الله، بل يتعين عليه بتأكد.
    (2) يعني بذلك اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، وقد أوتوا علوما في أصول الأديان وفروعها، وليسوا أميين كسائر العرب، فنبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم، يعني خذ أهبتك لهم، فإنهم أهل علم، ليسوا كغيرهم. وقال الحافظ: (( هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها )).
    (3) فإنه لا بد أن يأتوك بعلوم وأشياء، ولكن لا يكن همك إلا هذا الشأن. و "شهادة" بالرفع على أنه اسم يكن مؤخر، و"أول" خبرها، ويجوز العكس.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الزكاة (1395) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , والنسائي : الزكاة (2435) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).

    ص -57- وفي رواية: " إلى أن يوحدوا الله (1)، فإن هم أطاعوك لذلك (2)
    .................................................. ..................
    (1) هذه الرواية في كتاب التوحيد من صحيح البخاري، أشار بها المصنف إلى التنبيه على معنى شهادة ألا إله إلا الله، فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه، وفي رواية: " فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله "1، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وفي رواية للبخاري: " أدعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله "2، فهذه الروايات يفسر بعضها بعضا، والمراد بذلك العلم والعمل بما دلت عليه، من إفراد الله بالعبادة، بخلاف من قال: أول واجب النظر في الوجود، أو القصد إلى النظر، فلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علما وعملا، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله "3 مع قوله: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره أن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك، فإن منهم من يجهله، أو يعلمه ولكن الشهوة تمنعه من ذلك، وحب المال والجاه والرياسة والعياذ بالله، وفيه أنه لا يحكم بإسلام شخص إلا بالنطق بالشهادتين كما هو مذهب أهل السنة.
    وقال الشيخ: قد علم بالإضرار من دين الرسول، واتفقت الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، وإذا لم يتكلم مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين. قال المصنف: (( وفيه أن التوحيد أول واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عشر سنين كلها في الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن ضده وهو الشرك، وفيه أن الإنسان قد يكون من أهل العلم، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها، والتنبيه على التعليم بالتدريج، والبداءة بالأهم فالأهم )).
    (2) أي شهدوا وانقادوا لذلك، وكفروا بما يعبد من دون الله.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الزكاة (145 , ومسلم : الإيمان (19) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783).
    2 البخاري : الزكاة (1395) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , والنسائي : الزكاة (2435) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).
    3 البخاري : الزكاة (145 , ومسلم : الإيمان (19).

    ص -58- فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (1)، فإن هم أطاعوك لذلك (2) فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (3)،
    .................................................. ..................
    (1) ثنى بالأعمال بعد التوحيد لأنها لا تصح بدونه، فهو شرط لصحة جميع الأعمال. وفيه أن الصلاة أول واجب بعد الشهادتين، وأن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، فإن حصل دعي إلى الصلاة، وإلا لم يدع إليها، فإن الصلاة وغيرها من سائر الأعمال لا تصح بدونه، ولا يلزم من ذلك ألا يكون الكفار مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم، وجمهور العلماء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، المأمور بها والمنهي عنها، كالتوحيد إجماعا لقوله: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} 1 .
    (2) وأقاموا الصلاة الشرعية، وفي رواية الفضل بن العلاء: "فإذا صلوا".
    (3) فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وقرنها الله بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعا من كتابه، منها: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ}2. وعن ابن مسعود مرفوعا: " أمرت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له". وحديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة "3. وفيه أنها تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء، وهو محتمل لفقراء المسلمين، وفقراء تلك البلدة، والمحلة، والقبيلة، والطائفة. وأنه يكفي إخراجها في صنف واحد، بل دلت السنة على جواز دفعها إلى شخص واحد، وإنما خص الفقراء لأنهم أكثر من تدفع إليهم، ولأن حقهم آكد من بقية الأصناف الثمانية. وفيه أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبضها، ومن امتنع منها أخذت منه قهرا.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة المدثر آية : 43.
    2 سورة البينة آية : 5.
    3 البخاري : الإيمان (25) , ومسلم : الإيمان (22).

    ص -59- فإن هم أطاعوك لذلك (1)، فإياك وكرائم أموالهم (2)، واتق دعوة المظلوم (3)؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " (4). أخرجاه1.
    .................................................. ..................
    (1) أي أدوا الزكاة المشروعة فاقبلها منهم، وفي رواية الفضل: " فإذا أقروا بذلك فخذ منهم "2.
    (2) في أخذ الزكاة، بنصب "كرائم" على التحذير، جمع كريمة خيار المال، وفي المطالع: هي الجامعة للكمال الممكن في حقها، من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم وصوف. وفيه أنه يحرم على العامل أخذ كرائم الأموال، ويحرم على صاحبه إخراج شراره، بل الوسط; لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس، ونية صحيحة، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز.
    (3) أي اجعل العدل وترك الظلم وقاية بينك وبين الله تقيك دعوة المظلوم، والمتقي من اتقى الله في عمله، ففعل كما أمر خالصاً لله. وفيه التنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم، فيجب على كل عامل وغيره أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق، ولا يحابي بترك شيء منه.
    (4) أي فإن دعوة المظلوم لا ترد ولا تحجب عن الله (. وفيه مشروعية بعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، ولم يذكر في هذا الحديث الصوم والحج. قال الشيخ: أجاب بعض الناس أن بعض الرواة اختصره وليس كذلك، ولكن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتان ثم الصلاة، ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة، أو أنه يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، وتارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم، فإما أن =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الزكاة (1395) والمغازي (4347) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , والنسائي : الزكاة (2435) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).
    2 البخاري : التوحيد (7372) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).

    ص -60- ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله (2)،
    .................................................. ..................
    = يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب لا حج عليه، وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان. ولما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة.
    (1) ابن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضا، ذكر سهل أنه مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة 88، وقيل: 91 هـ، وقد جاوز المائة، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وابن المسيب والزهري وغيرهم.
    (2) أي قال يوم حصار خيبر سنة 7 هـ، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان أرمد، وقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !؟ فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله ( في صباحها، قال صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجلا يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية، ففتح الله عليه "1 . وفي رواية بريدة: " إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله "2. وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف الراية واللواء، لكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : المناقب (3702) , ومسلم : فضائل الصحابة (2407) , وأحمد (4/51).
    2 أحمد (5/353).

    ص -61- يفتح الله على يديه" (1). فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها (2)
    .................................................. ..................
    = أبيض، وعن أبي هريرة: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والراية علم الجيش، يرجعون إليه عند الكر والفر، جمعها رايات، وكذا لواء الجيش علمه، وهو دون الراية، سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة، والغد اليوم التالي ليومك على أثره. والمحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب، وأصلها الميل إلى ما يوافق المحب، وفيه فضيلة علي رضي الله عنه وزيادة منقبته؛ لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك بخصوصه. قال الشيخ: هذا أصح حديث روي لعلي من الفضائل، وليس هذا الوصف مختصا به، ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه، أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، وفيه إثبات صفة المحبة خلافا للجهمية.
    (1) أخبرهم صلى الله عليه وسلم على وجه البشارة بحصول الفتح، وكان قد اشتد عليهم الحصار، فهو علم من أعلام النبوة؛ لإخباره عنه قبل وقوعه في وقت مخصوص، فوقع طبق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم .
    (2) بنصب ليلة، ورفع أي على البناء، لإضافتها وحذف صدر صلتها، أي سهروا تلك الليلة يبحثون ويتفاوضون، ويتناظرون فيمن سيعطاها. قال المصنف: "يدوكون" أي يخوضون، يعني فيمن يدفعها إليه، وفيه يقال: داك القوم يدوكون، إذا وقعوا في اختلاط واضطراب ودوران. وخاضوا في الحديث تفاوضوا فيه; وفيه حرص الصحابة على الخير، واهتمامهم به، وعلو مرتبتهم في العلم والإيمان، فينبغي التنافس في الخير، وعلو الهمة في طلبه.

    ص -62- فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو (1) أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ (2) فقيل: هو يشتكي عينيه (3)، فأرسلوا إليه (4) فأُتي به، فبصق في عينيه (5)
    .................................................. ..................
    (1) حرصًا عليه لكونه محبوبا عند الله، وتفتح هذه البلدة على يديه، ففيه أن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة لا ينافي التوكل. وفي رواية لمسلم: أن عمر قال: (( ما أحببت الإمارة إلا يومئذ; رغبة فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم )). فإن قيل: إذا كان هذا ليس من خصائص علي رضي الله عنه فلم تمناه بعض الصحابة؟ أجاب شيخ الإسلام بأنه إذا شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمعين بشهادة، أو دعا له بدعاء، أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة، ومثل ذلك الدعاء، وإن كان يشهد ويدعو لخلق كثير، ولكن تعيينه الشخص من أعظم فضائله. قال المصنف: (( وفيه فضيلة علي يعني لشهادته له على التعيين )).
    (2) هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء، الخليفة الرابع، من أسبق السابقين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومناقبه مشهورة، قتله ابن ملجم في رمضان سنة 40 هـ، وفيه سؤال الإمام عن رعيته، وتفقد أحوالهم، وسؤاله عنهم في مجامع الخير.
    (3) أي من الرمد كما تقدم. وفي صحيح مسلم: فأتى به أرمد. وفيه عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.
    (4) من يأتيه به، قال الشارح: وفي نسخة بخط المصنف: فأرسل إليه. مبني للفاعل، ويحتمل أنه لما لم يسم فاعله.
    (5) بفتح الصاد أي بزق، ويقال: بزق ثم تفل ثم نفث ثم نفخ.

    ص -63- ودعا له فبرأ (1) كأن لم يكن به وجع (2)، وأعطاه الراية (3) فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم (4)، ثم ادعهم إلى الإسلام (5)،
    .................................................. ..................
    (1) بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال عافية كاملة.
    (2) من رمد ولا ضعف بصر، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: (( فدعا له فاستجيب له )). وللطبراني عن علي: (( فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلي الراية )). وفيه علم من أعلام النبوة.
    (3) أي دفعها إليه مع ما به من وجع العين، ولم يسع في طلبها. قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها ممن سعى.
    (4) بضم الفاء وكسر الراء وسكون السين، أي امض برفق وتؤدة ولين، متمهلا على رسلك، من غير عجلة ولا طيش حتى تنزل بساحتهم، وساحة القوم وسوحهم ما قرب من حصونهم، وفيه الأدب عند القتال، وترك الطيش والأصوات المزعجة، وأمر الإمام عماله بالرفق واللين، من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة.
    (5) أي والإيمان فإن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، كما أنه إذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام بلا نزاع، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والخضوع له، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وأصل الإسلام هو التوحيد، وهو معنى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإن شئت قلت: هو شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فإن من عبد معه غيره لم يكن مسلما، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وهذا =

    ص -64- وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه (1)، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (2).
    .................................................. ..................
    = هو الشاهد للترجمة. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال، وإن كانوا قد دعوا قبل ذلك، فيندب إعادة الدعوة؛ ليعلم المشركون أن قصد المسلمين لهم بالدعوة والقتال هو دخولهم في الإسلام، ليس المراد التشفي منهم وأخذ أموالهم، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون. فالدعوة دعوتان: واجبة وهي دعوة التبليغ، ومندوبة وهي تبليغهم قبل القتال كما فعل علي رضي الله عنه.
    (1) أي في الإسلام إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التي لا بد لهم من فعلها، كالصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام، بقوله: " فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "1، فإن امتنعوا عن شيء من حقها فالقتال باق، فالنطق بالشهادتين سبب العصمة، لا أنه نفسه العصمة، أو هو العصمة لكن بشرط العمل؛ فإن لله حقوقا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلما. وفيه أيضا بعث الإمام الدعاة إلى الله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه. قال عمر: " والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم " .
    (2) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع على الابتداء، والخبر خير. وحمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم، والنعم بفتح النون والعين، أي هداية رجل على يديك خير لك من الإبل الحمر، وإنما عبر بها لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك. وكانوا يضربون بها المثل، والمراد خير من الدنيا وما عليها. وتشبيه أمور =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 الترمذي : تفسير القرآن (3341) , وأحمد (3/295 ,3/300 ,3/332 ,3/394).

    ص -65- يدوكون أي: يخوضون (1).
    .................................................. ..................
    = الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الإفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها. وفيه الترغيب في الدعوة إلى الله لتحصل للداعي هذه الفضيلة بهداية رجل واحد، ولهذا حلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ولو لم يحلف، ترغيبا في هذا العمل وحضا عليه، ولو لم يهتد بالدعوة إلا رجل واحد، فكيف بهداية الفئام؟ كما وقع للمصنف -رحمه الله-، وغيره من أئمة الدين. وفيه جواز الحلف على الخبر والفتيا ولو لم يستحلف.
    (1) فسر المصنف -رحمه الله- هذه اللفظة بأن المراد خوض السامعين، وبحثهم في هذا الخير وتمني حصوله.
    تم نقل المشاركة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب السادس)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله(1)

    ص -66-
    وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} (2) الآية 1.
    .................................................. ..................
    (1) عطف الشهادة على التوحيد من عطف الدال على المدلول؛ فإن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله ومدلولها مطابقة، يعني باب بيان إيضاح التوحيد، توحيد الإلهية والعبادة؛ لأنه هو المقصود بالذات من تصنيف الكتاب، وبيان مدلول شهادة ألا إله إلا الله من النفي والإثبات، وما تضمنته من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فالتفسير تارة بذكر ما تحت اللفظ من معنى، وتارة بذكر الضد والمنافي; فإن قيل: قدم في أول الكتاب ما يبين معنى لا إله إلا الله وما تضمنته من التوحيد، فما فائدة هذه الترجمة؟ قيل: في هذه الآيات التي في هذا الباب بخصوصها مزيد بيان لمعنى كلمة الإخلاص، وما دلت عليه من توحيد العبادة، والحجة على من تعلق على الأولياء والصالحين.
    (2) يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} 2 صيغة عموم شمل كل مدعو من دون الله من الأنداد، وارغبوا إليهم، فإنهم يعني جميع من يدعي من دون الله: {فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ} 3 أي بالكلية (ولا تحويلا) أي ولا يحولونه إلى غيركم؛ فإن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، فهو المستحق أن يفرد بجميع العبادة.: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} 4 أي يدعوهم أهل الشرك، ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، عباد أمثالهم مقهورون مربوبون. (فالذين) اسم موصول =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الإسراء آية : 57.
    2 سورة الإسراء آية : 56.
    3 سورة الإسراء آية : 56.
    4 سورة الإسراء آية : 57.

    ص -67- .................................................. ...........................................
    = يتناول كل مدعو من دون الله. قال ابن عباس: " كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا "، والذين هم يدعون: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} 1 أي يتبارون في طلب القرب، فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له، وطاعته فيما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه. وقال ابن عطية: أخبر تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إلى الله، والتزلف إليه، فـ(أيهم) مبتدأ وخبره (أقرب) و(أولئك) يراد بهم المعبودون، وهو مبتدأ، وخبره (يبتغون)، والضمير في (يدعون) للكفار، وفي (يبتغون) للمعبودين، و (الوسيلة) ما يتقرب به، وتوسل إلى الله عمل عملا تقرب به إليه، ولما أعد الله لأوليائه الكرامة، جعل لذلك وسيلة، وهي عبادة الله بامتثال ما أمر به، وأعظم القرب التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهو الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} 2 فلا يرجون أحدا سواه، ولا يخافون غيره. قال شيخ الإسلام: (( فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها، فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع آخر كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: (ولا تحويلا) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله )) ا هـ.
    فإذا كان دعاء الأولياء والصالحين شركا، عرفنا أن التوحيد هو دعاء الله وحده لا شريك له، فكان في هذه الآية تفسير التوحيد، وأنها دلت على أن دعوة الله وحده هي التوحيد، وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، وهو تفسير الشيء بضده.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الإسراء آية : 57.
    2 سورة الإسراء آية : 57.

    ص -68- وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} (1) الآية1.
    وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} (2) الآية 2.
    .................................................. ..................
    (1) وتمامها: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} 3 في ذريته من بعده، يدينون بها (لعلهم يرجعون) إليها، والكلمة هي: لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم. وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي أريدت به، فعبر عما نفته بقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 4، وعما أثبتته بقوله: {إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} 5 أي خلقني، فقصر العبادة على الله وحده، ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك. قال ابن كثير: (( هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، جعلها في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله منهم، ففي الآية معنى لا إله إلا الله مطابقة، فإن هذه اللام تسمى لام النفي، ولام التبرئة، فتبين أن معناها النفي والإثبات، والتجريد والتفريد، والولاء والبراء، وتبين أن معنى لا إله إلا الله توحيد الله بإخلاص العبادة له، والبراءة من عبادة كل ما سواه )) .
    (2) الأحبار العلماء، والرهبان هم العباد، وجعلوهم مشرعين في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل، فصاروا بذلك أربابا؛ لأن التشريع من خصائص الربوبية، كما أن العبادة من مستحقات الربوبية، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لعدي لما قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم "6. رواه أحمد وغيره، وحسنه الترمذي. وقوله: (والمسيح ابن مريم) أي اتخذوه ربا بعبادتهم له.: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 7. فدلت على أن من أطاع غير الله في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله فقد اتخذه ربا ومعبودا، وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الزخرف آية : 26.
    2 سورة التوبة آية : 31.
    3 سورة الزخرف آية : 28.
    4 سورة الزخرف آية : 26.
    5 سورة الزخرف آية : 27.
    6 الترمذي : تفسير القرآن (3095).
    7 سورة التو;بة آية : 31.

    ص -69- .................................................. ...........................................
    = شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع ربا ومعبودا، والرب هو المعبود، ولا يطلق معرفا إلا على الله تعالى، قال تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} 1 وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، أن من اتخذ شخصا يحلل ما حلل، ويحرم ما حرم فهو مشرك. والتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله هو إفراد الله بالطاعة في تحريم ما حرم، وتحليل ما حلل، وهذه الآية كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 2 يعني وأنتم كفار، ونحن بريئون منكم، وأنتم بريئون منا.
    قال شيخ الإسلام: (( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا على وجهين:
    أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحل اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله شركا.
    الثاني: أن يكون اعتقادهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا؛ لكونهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت "إنما الطاعة في المعروف"، ثم ذكر المحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن خفي عليه الحق، وقد اتقى الله، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، ولكن من علم أن هذا خطأ ثم اتبعه، وعدل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم فله نصيب من هذا الشرك، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باليد واللسان، مع علمه بأنه مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم فهذا شرك، وإن كان المتبع للمجتهد عاجزا، وفعل ما يقدر عليه فلا يؤاخذ إن أخطأ )).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الأنعام آية : 121.
    2 سورة آل عمران آية : 64.

    ص -70- وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} (1) الآية 1 .
    .................................................. ..................
    (1) (من) للتبعيض، أي فريق من الناس، وقد ذكر حال المتخذين الأنداد على سبيل الذم، فإنه ذكر حال المشركين حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء يعبدونهم معه و (يحبونهم كحب الله) أي يسوونهم في المحبة المقتضية الذل للمحبوب، والخضوع له كحب الله. وهو الله لا إله إلا هو، لا ضد له، ولا ند له، ولا شريك له، وكل من صرف من العبادة شيئا لغير الله رغبة إليه، أو رهبة منه فقد اتخذه ندا لله، وفي الصحيحين: عن ابن مسعود مرفوعا قال: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك "2.:{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} 3 من أصحاب الأنداد لأندادهم، ولحبهم له، وتمام معرفتهم به لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده. ثم توعد المشركين فقال: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} 4 يقول: لو علموا ما يعاينونه هنا، وما يحل بهم من الأمر الفظيع على شركهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلالة.
    قال المصنف: (( ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبا أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله ؟ )) ا هـ. فمن أشرك مع الله غيره في المحبة فقد جعله شريكا لله في العبادة، واتخذ ندا من دون الله، وذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه لقوله: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 5 والمراد محبة التأله والتعظيم المختصة برب العالمين، التي هي إحدى القاعدتين اللتين عليهما مدار العبادة كما قال ابن القيم:

    وعبادة الرحمن غاية حبهمع ذل عابده هما قطبان

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة البقرة آية : 165.
    2 البخاري : الأدب (6001) , ومسلم : الإيمان (86) , والترمذي : تفسير القرآن (3182 ,3183) , والنسائي : تحريم الدم
    (4013 ,4014 ,4015) , وأبو داود : الطلاق (2310) , وأحمد (1/380 ,1/431 ,1/434 ,1/462 ,1/464).
    3 سورة البقرة آية : 165.
    4 سورة البقرة آية : 165.
    5 سورة البقرة آية : 167.

    ص -71- وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه(1)
    .................................................. ..................
    = إلى أن قال:

    ليس العبادة غير توحيد المحبَة مع خضوع القلب والأركان

    وهذا هو الذي اعترف به المشركون، وهم بين أطباق الجحيم، أنهم صاروا في الجحيم بسببه حيث قالوا: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 1، ومن المعلوم أنهم ما ساووهم به في الحلق والتدبير، إنما ساووهم به في هذه المحبة، فدلت الآية على أن من اتخذ ندا مع الله يحبه كمحبة الله فقد أشرك الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، فإذا عرفنا أن هذا شرك، فالتوحيد ضده، وهو أن يفرد الرب بهذه المحبة المختصة التي هي التوحيد، وبذلك ظهر معنى التوحيد وتفسيره، وشهادة ألا إله إلا الله. وأما محبة الملائمات وهي المحبة الطبيعية فلا تكون شركا، ويأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
    (1) أي وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم الأشجعي صحابي له أحاديث. ورواه أحمد بلفظ " من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله "2 فهذا يفسر لا إله إلا الله، فعلق صلى الله عليه وسلم عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول لا إله إلا الله عن علم ويقين، كما قد قيد ذلك في قولها في غير ما حديث، فإن من قالها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود النفاق، لا يقولها إلا عن صدق وعمل بها، وعلم بما دلت عليه من النفي والإثبات. والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها، والبراءة مما ينافيها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق عصمة الدم بالأمرين جميعا، قولها عن علم ويقين، والكفر بما =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الشعراء آية : 98.
    2 مسلم : الإيمان (23) , وأحمد (3/472 ,6/394).

    ص -72- .................................................. ...........................................
    = يعبد من دون الله، ففيه أنه لا يحرم ماله ودمه إلا إذا قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم يأت بما يعصم ماله ودمه، وفيه معنى قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} 1. قال المصنف: (( وهذا من أعظم ما يبين لك معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها وأعظمها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع )) ا هـ. وهذا هو الشرط المصحح لقول لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكر أصلا، قــال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} 2، وقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3 الآية، أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعا، بل أجمعوا على أن من قال: لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
    وفي الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "4. وفي رواية: " ويؤمنوا بي وبما جئت به "5، فلا بد من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأيما طائفة امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فإنه يجب قتالها كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، واتفق عليه الصحابة والفقهاء، ويكفي المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان. والكفر لغة الستر، وكفر يكفر كفرا وكفرانا: ضد آمن، وسمي الكافر كافرا لأنه مغطى على قلبه، وشرعا: تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة البقرة آية : 256.
    2 سورة الأنفال آية : 39.
    3 سورة التوبة آية : 5.
    4 البخاري : الإيمان (25) , ومسلم : الإيمان (22).
    5 مسلم : الإيمان (21).

    ص -73- وحسابه على الله عز وجل "1 (1). وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب (2).
    .................................................. ..................
    (1) أي الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى حسابه، وهو المطلع على السرائر، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهرا، وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.
    (2) ترجمة الكتاب فاتحته، وشرحها تفسيرها وتبينها، وتوضيح معناها; وذلك أن ما بعدها فيه ما يبين التوحيد، ويوضح معنى لا إله إلا الله، وفيه بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وقد جمع -رحمه الله- في هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق، وما لا يعذر أحد عن معرفته، فمن استحضره استغنى به عن غيره في بيان التوحيد، والرد على كل مبتدع.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (23) , وأحمد (3/472 ,6/394).
    تم نقل المشاركة

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب السابع)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم
    باب من الشرك لبس الحلقةوالخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه1
    ص -74-
    وقول الله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} (2) الآية 1 .
    .................................................. ..................
    (1) من تبعيضية، ولبس بضم اللام، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد لبس الحلقة. وهي: كل شيء استدار من صفر وغيره، والخيط ونحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة ونحو ذلك، لرفع البلاء: إزالته بعد نزوله، أو دفعه: منعه قبل نزوله، ويجمع ذلك شيء واحد، وهو الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، واتخاذ تلك الأشياء ونحوها من أعمال الجاهلية، وكانوا يعلقونها على أولادهم ودوابهم، وذلك ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله؛ لأن الشافي الكافي من كل شيء هو الله سبحانه، وطلب الشفاء والبركة بالحلق والخيوط وغيرها هضم لجناب التوحيد، ولبسها على قسمين: اعتقاد أنه سبب، فشرك أصغر، أو يدفع أو ينفع فشرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن هنا متصرفا بالنفع والضر غير الله، والمصنف -قدس الله روحه- ابتدأ في تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، بذكر شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فإن الضد لا يعرف إلا بضده كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فمن لم يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس، وقدم الأصغر الاعتقادي ترقيا من الأدنى إلى الأعلى.
    (2) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ} 2 أي أخبروني عن الذين تدعون من دون الله، وتسألونهم من الأنداد والآلهة: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ} 3 مرض أو فقر أو بلاء أو شدة: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}4 أي أنتم تعلمون =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الزمر آية : 38.
    2 سورة الزمر آية : 38.
    3 سورة الزمر آية : 38.
    4 سورة الزمر آية : 38.

    ص -75- عن عمران بن حصين (1)
    .................................................. ..................
    = أنهم لا يقدرون على ذلك أصلا، وتعترفون بذلك، (أو أرادني برحمة) صحة وعافية وخير: {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} 1 أي أنتم تعلمون أنهم لا يستطيعون شيئا من الأمر، وتعترفون أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فإذا علمتم أنهم لا يقدرون على ذلك فلم تعلقون عليهم من دون الله، (قل) يا محمد (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) أي الله كافي من توكل عليه، والتوكل التفويض والاعتماد، فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو إمساك رحمة أنزلها على عبده، فيلزمهم بذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى هو معبودهم وحده المفوض إليه جميع أمورهم، لزوما لا محيد لهم عنه.
    وهذا في القرآن كثير يقيم تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة، بضرب الأمثال وغير ذلك مما يعلمون به أن ذلك لله وحده، ويقرون به على ما يجحدونه من عبادته وحده، هذا وهم إنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2 لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، كما قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} 3. قال مقاتل: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا؛ لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإذا كان ذلك كذلك بطلت عبادتهم الآلهة مع الله، وإذا بطلت فلبس الحلقة والخيط ونحوهما كذلك. والمصنف -رحمه الله- استدل بالآية النازلة في الأكبر على الأصغر، كما استدل بها ابن عباس وحذيفة وغيرهما، وهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع، أو دفع ضر وأن ذلك لا يكون إلا بالله وحده، وأن جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك لا يصلح شيء من أنواع التعلقات بغير الله عز وجل.
    (1) رضي الله عنه ابن عبيد بن خلف الخزاعي صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وقال الطبراني: =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الزمر آية : 38.
    2 سورة الزمر آية : 3.
    3 سورة النحل آية : 53.

    ص -76- " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلا في يده حلقة من صفر (1) فقال ما هذه؟ قال من الواهـنة (2). فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا (3)،
    .................................................. ..................
    = أسلم قديما هو وأبوه وأخته، وكان ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها سنة 52هـ.
    (1) وفي رواية الحاكم: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر"، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث، والحلقة كان المشركون يجعلونها في أعضادهم، من نحاس أصفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبس حلقة الفضة للبركة، أو لمنع البواسير، وخواتيم لها فصوص مخصوصة للحفظ من الجن وغيرها.
    (2) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، قال الشارح: وهو أظهر. ولفظه: "ويحك ما هذه" ؟ قال: من الواهنة، والواهنة عرق يأخذ بالمنكب وباليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ بالعضد، أو ريح فيه تأخذ الرجال دون النساء، وربما علق عليها جنس من الخرز يقال له خرز العصمة، وإنما نهى عنها لأنها إنما تتخذ لتعصم من الألم، وفيه اعتبار المقاصد.
    (3) انزعها بكسر الزاي، وأصل النزع الجذب بقوة والقلع، من نزعت الشيء من موضعه نزعا من باب ضرب، قلعته وانتزعته مثله، أي انبذها عنك. وهو لفظ أحمد، وهو أبلغ، فإنه يتضمن النزع وزيادة، وهو الطرح والإبعاد، وهذا زجر له وإنكار عليه، وقد أخبره صلى الله عليه وسلم أنها لا تنفعه بل تضره، وأن هذا الداء الذي لبسها له لا يزول، بل لا تزيده إلا وهنا أي ضعفا، معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، وكذا كل أمر نهى عنه فإنه لا ينفع غالبا، وإن نفع بعض النفع فضرره أكبر من نفعه، وابتلاء من الله وامتحان. وهكذا =


    ص -77- فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (1) "1. رواه أحمد بسند لا بأس به (2).

    .................................................. ..................

    = شأن الأمور الشركية، ضررها على أصحابها في الدنيا في الغالب والآخرة، وذلك من أجل التفات قلوبهم إلى غير الله) ومن تعلق شيئا وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله هلك. وإذا كان هذا في الأصغر الذي يجامع أصل التوحيد، فكيف بالأكبر الذي ينافيه بالكلية.
    (1) نفى عنه الفلاح لو مات وهي عليه؛ لأنه شرك والحالة هذه، والفلاح من أجمع الكلمات التي نطقت بها العرب، وهو الفوز والظفر والسعادة. وفي رواية: "وكلت إليها". قال المصنف: (( فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة، والشاهد منه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وأنه دليل على المنع من لبس الحلقة والخيط ونحوهما لذلك، وفيه إنكار المنكرات الشركية حتى إن من العلماء من جعلها ركنا سادسا من أركان الإسلام )) .
    (2) وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي، ورواه أيضا بنحوه عن أبي عامر الخراز عن الحسن.
    وأحمد رضي الله عنه هو ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ناصر السنة، العالم الرباني أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة. يقول فيه ابن النحاس: (( عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها )). وقال إسحاق بن راهويه: (( هو حجة بين الله وبن عبيده في أرضه )). حملت به أمه في مرو وولد ببغداد سنة 164هـ، وطاف البلاد، وسمع من سفيان وبشر ويحيى وهشيم ووكيع وابن مهدي =



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 ابن ماجه : الطب (3531) , وأحمد (4/445).
    ص -78- وله عن عقبة بن عامر مرفوعا (1): " من تعلق تميمة فلا أتم الله له (2)،
    .................................................. ..................
    = وعبد الرزاق وخلائق لا يحصون، وعنه ابناه وابن المديني والبخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وخلائق لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ذكر الحفاظ بعضهم، وأنه كان يجتمع في مجلسه أكثر من خمسة آلاف، وفضائله سارت بها الركبان، وملأ ذكره الأمصار والبلدان، صنف المسند ثلاثين ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة ألف وعشرين ألفا، والناسخ والمنسوخ، والزهد وغيرها. توفي رضي الله عنه سنة 241 هـ، وحضر جنازته نحو من ألف ألف وستين ألفا، وقيل أسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى.
    (1) إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعقبة هو ابن عامر بن عمرو بن عبس بن عمرو بن عدي الجهني، صحابي مشهور فاضل روى كثيرا، وعنه جماعة من الصحابة والتابعين. أحد من جمع القرآن، فصيحا عالما شهد الفتوح وصفين، ولي إمارة مصر ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.
    (2) أي علقها عليه أو على غيره من طفل أو دابة ونحو ذلك، متعلقا بها قلبه في طلب خير أو دفع شر، فلا أتم الله له ما قصده، دعاء عليه بنقيض قصده، أن الله لا يتم له أمره، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم على متعلقها يفيد أنه محرم، وتحريمه يفيد أنه من المحرمات الشركية، وإنما كان شركا لما يقوم بقلبه من التعلق على غير الله، في جلب نفع أو دفع ضر، وكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وكانوا يتلمحون من تعليقها تمام أمر من علقت عليه أن يتم له أمره، وذكر التميمة منكرة تعميما، حسما للمادة التي تؤول إلى الشرك. قال المنذري: (( التميمة خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلال؛ إذ لا مانع ولا دافع =
    ص -79- ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (1) "1. وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك "2.
    = غير الله )). وفي النهاية: (( التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام )) ا هـ. والتمائم أعم من ذلك، فتكون من عظام، ومن خرز، ومن كتابة، ومن غير ذلك.
    .................................................. ..................
    (1) ودعة بفتح فسكون وتفتح، و "لا ودع" بتخفيف الدال أي لا ترك له ما يحب، أو لا جعله في دعة وسكون، بل حرك عليه كل مؤذ، وهذا دعاء عليه أيضا، معاملة له بنقيض قصده، وكانوا يتلمحون من اسمها الدعة والسكون. قال في النهاية: (( الودعة شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وقيل يشبه الصدف يتقون به العين )). وفيه وعيد شديد لمن فعل ذلك، يفيد أنه محرم، وإذا تقرر أنه محرم فالرواية الثانية بينت أنه من المحرمات الشركية، ومع كونه شركا فقد دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقيض مقصوده، ورواه أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي.
    (2) وذلك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل عليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وأمسكت عن هذا؟ فقال: "إن عليه تميمة"، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك "3. رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر. ورواه الحاكم بنحوه، ورواته ثقات. وإنما جعلها صلى الله عليه وسلم شركا؛ لأنه أراد رفع القدر المكتوب، وطلب دفع الأذى من غير الله تعالى الذي هو النافع الضار، والتعلق يكون بالفعل أو بالقلب أو بهما، وإنما كان شركا من جهة تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر، فكان شركا من هذه الحيثية. قال الشيخ: من تعلق قلبه بمخلوق فالمخلوق عاجز، وهو من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، وذلك أن يرجو العبد قضاء حاجته من غير ربه =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 أحمد (4/154).
    2 أحمد (4/156).
    3 أحمد (4/156).

    ص -80- ولابن أبي حاتم عن حذيفة (1) أنه " رأي رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه (2)،
    .................................................. ..................
    = وصرف القلب عن التعلق بالمخلوق بمعرفة ألا خالق إلا الله، فلا يستقل سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فإذا تحقق العبد ذلك كان سببا لأن ينال مطلوبه.
    (1) رضي الله عنه ابن اليمان بن حسل، ويقال حسيل بن جابر بن ربيعة العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل ابن صحابي من السابقين، أصاب أبوه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لكونه حالف اليمانية، وأراد شهود بدر فصده المشركون، وشهد أحدا فاستشهد أبوه بها لما هزم المسلمون وصاح الشيطان أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فإذا هو بأبيه، فقال: أي عباد الله أبي أبي، فما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى مسلم أنه أخبره بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة، واستعمله عمر على المدائن، فلم يزل بها حتى توفي سنة 36 هـ.
    و ابن أبي حاتم هو أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر، الرازي الحنظلي التميمي، الإمام الحافظ الثبت صاحب الجرح والتعديل، والعلل، والتفسير، وغيرها، روي عن أبي سعيد الأشج، ويونس ابن عبد الأعلى وطبقتهما، مات سنة 327 هـ.
    (2) أي عن الحمى، وكان الجهال يعلقون الخيوط والتمائم، يزعم أحدهم أنها لا تصيبه الحمى إذا لبس ذلك أولا تضره، ولفظه: " دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه وانتزعه ". وروى وكيع عن حذيفة أنه " دخل على مريض يعوده فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك ". وفيه وجوب إزالة المنكر =


    ص -81- وتلا قوله : {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (1) .

    .................................................. ..................

    = مع القدرة على ذلك، وإن كان يعتقد أنه سبب، فإنه لا يجوز من الأسباب إلا ما أباحه الله، مع عدم الاعتماد عليه، وأن تعليق الخيوط والحروز والطلاسم والتمائم ونحو ذلك شرك يجب إنكاره، وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه، بل يفيد شرعية المثابرة في قطع المنكرات، والمبادرة إلى إزالتها بلا ممالأة لأحد؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "1. هذا حكم ما يوجد من المنكرات، وأهمها الأمور الشركية.
    (1) قال ابن عباس: " تسألهم من خلقهم؟ فيقولون الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره " وفي استدلال حذيفة بهذه الآية على أنه شرك، دليل على صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما نزل في الأكبر؛ لشمول الآية النوعين، ودخوله في مسمى الشرك. ودليل على صحة استدلال المصنف بالآية أول الباب، وكمال علم الصحابة بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله.



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : الإيمان (49) , والترمذي : الفتن (2172) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (5008 ,5009) , وأبو داود : الصلاة (1140) والملاحم (4340) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) والفتن (4013) , وأحمد (3/10 ,3/20 ,3/49 ,3/52 ,3/54 ,3/92).
    تم نقل المشاركة

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    الجزائر ، وهران
    المشاركات
    1,973

    افتراضي حاشية كتاب التوحيد (الباب الثامن)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    باب ما جاء في الرقى والتمائم (1)
    ص -82-
    في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري (2) أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره (3) " فأرسل رسولا (4) أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر (5)
    .................................................. ..................
    (1) أي من النهي عما لا يجوز من ذلك، وذكر ما ورد عن السلف في ذلك، ولم يجزم بكونهما من الشرك؛ لأن فيهما تفصيلا. (والرقى) جمع رقية، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع. (والتمائم) جمع تميمة، خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين في زعمهم، ويتلمحون من اسمها أنه يتم لهم مقصودهم فأبطلها الشرع.
    (2) رضي الله عنه بفتح الباء وكسر الشين قال ابن سعد: اسمه قيس بن عبد الله، ويقال: ابن عبيد بن الحريث بمهملتين مصغر الحارث، ابن عمرو بن الجعد الساعدي، ويقال المازني، من بني مازن بن النجار. وقال ابن عبد البر وغيره: لا يوقف له على اسم صحيح، شهد الخندق وأحدا وهو غلام، روى عنه عباد وعمارة وغيرهما، ومات بعد الستين، ويقال إنه جاوز المائة، وحديثه في الصحيحين وغيرهما.
    (3) قال الحافظ: (( لم أقف على تعيينه )).
    (4) هو زيد بن حارثة كما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده.
    (5) يبقين بالياء المثناة والقاف المفتوحتين، ويحتمل أن يكون بضم الياء وكسر القاف. و "قلادة" فاعل على الأول، ومفعول على الثاني، وهي ما يعلق في رقبة البعير وغيره، من وتر ونحوه، والبعير يقع على الذكر والأنثى، وجمعه أبعرة =

    ص -83- أو قلادة إلا قطعت (1) "1. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " (2) رواه أحمد وأبو داود 2.
    .................................................. ..................
    = وأباعر وبعران. والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوه الدواب، اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين، ويدفع عنهم المكاره، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا.
    (1) شك الراوي هل قال شيخه: "قلادة من وتر"، أو قال: "قلادة" وأطلق ولم يقيد. وروي عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر. ولأبي داود: "ولا قلادة" بغير شك، فتكون أو بمعنى الواو. قال البغوي: تأول مالك أمره -عليه الصلاة والسلام- بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا. ووجه الدلالة من الحديث أن الأوتار والتمائم في الحكم شيء واحد، ويؤيده قوله: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له "3.
    (2) ولفظه عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، أن " عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقي سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقي كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : الجهاد والسير (3005) , ومسلم : اللباس والزينة (2115) , وأبو داود : الجهاد (2552) , وأحمد (5/216) , ومالك : الجامع (1745).
    2 أبو داود : الطب (3883) , وابن ماجه : الطب (3530) , وأحمد (1/381).
    3 أحمد (4/154).

    ص -84- وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا (1): " من تعلق شيئا وُكِل إليه " 1 . رواه أحمد والترمذي (2).
    .................................................. ..................
    = لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ". ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي.
    والمراد بالرقى المنهي عنها ما كان من جنس رقى الجاهلية، والتمائم ما يعلق على الحيوانات، من خرز ونحوه، ويأتي التفصيل فيهما. والتولة ممنوعة مطلقا إجماعا، قال الحافظ: التولة بكسر التاء وفتح الواو، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان من الشرك لما يراد به من دفع المضار، وجلب المنافع من غير الله تعالى. وقال علي رضي الله عنه: " إن كثيرا من هذه الرقى والتمائم شرك فاجتنبوها ". رواه وكيع، والإمام أحمد -رحمه الله- تقدمت ترجمته.
    و أبو داود هو الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث ابن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني صاحب الإمام أحمد، صنف السنن والمراسيل وغيرها.ولد سنة 202 هـ، وتوفي في شوال بالبصرة سنة 275هـ.
    (1) عكيم بضم العين المهملة مصغر، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي، مخضرم. قال البخاري وغيره: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح، ذكر أنه جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهينة قبل وفاته بشهر، قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدينة في حياة حذيفة، وكان ثقة، روى عنه ابن أبي ليلى وابن وهب والوزان وغيرهم، مات في إمرة الحجاج.
    (2) وقال: حسن غريب، وأبو داود والنسائي وغيرهما من طرق، والتعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما جميعا، فمن تعلق شيئا وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 الترمذي : الطب (2072).

    ص -85- التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين (1)، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه (2).
    .................................................. ..................
    = ونحو ذلك، وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا أمر معروف بالنصوص والتجارب: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} 1. وأخرج أحمد عن وهب: أوحى الله إلى داود: " يا داود أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك ". وشاهده في الكتاب والسنة.
    والأشياء التي يتعلق بها على قسمين:
    الأول: ما هو سبب، فهذا ينظر هل أباحه الشرع أو لا؟.
    القسم الثاني: ما ليس بسبب، فلا يتعلق به بالكلية، والذي يتعلق به يشترط فيه شرطان:
    أحدهما: أن يتحقق أنه سبب.
    والثاني: أن يكو;ن مباحا.
    (1) وكذا قال الخلخالي وغيره: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان، من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.
    (2) لأن النهي عام، وأما تخصيصه بغير تمائم القرآن فتخصيص بغير مخصص، وقد اختلف السلف في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فروي عن بعضهم تجويز ذلك، منهم عبد الله بن عمرو وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعقبة وأحمد في رواية اختارها الأكثر؛ لهذا الحديث وما في معناه =

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 سورة الطلاق آية : 3.

    ص -86- والرقى هي التي تسمى العزائم (1)، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة (2).
    .................................................. ..................
    = وصححه الشارح لوجوه :
    (الأول) عموم النهي ولا مخصص للعموم.
    (والثاني) أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة وغيرها من الحالات القذرة.
    (والثالث) سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، ولو لم يكن إلا هذه العلة وحدها لكفى بها حجة في المنع، سدا لذرائع الشرك.
    (والرابع) أنه صلى الله عليه وسلم قد كان يرقى ورقي، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزا لأمر به. وليس في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلا لأنه ينافي التوكل والإخلاص، ولعل عبد الله بن عمرو يعلقه في الألواح، لا أنه تميمة.
    (1) واحدتها عزيمة وهي الرقية، وعزم الراقي قرأ العزائم، أو العزائم آيات من القرآن تقرأ على ذوي العاهات، وقيل أنواع منها ما ينفث به على المريض، وما يجعل في ماء ويسقاه المريض، ومنها هذه العزائم التي تكتب في صحن ونحوه.
    (2) يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله، من دعاء غير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك، وأما الرقى بالقرآن وأسماء الله وصفاته وما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا حسن جائز، أو مستحب كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: " كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا"1. قال الخطابي: وقد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة =
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 مسلم : السلام (2200) , وأبو داود : الطب (3886).


    ص -87- والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته (1). وروى الإمام أحمد عن رويفع (2) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك (3)،


    .................................................. ..................


    = أو مأمور بها، وإنما جاء المنع فيما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا، أو قولا يدخله الشرك.


    قال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه، وإنما يرخص لمن لا يحسنها، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا، فليس من دين الإسلام. قال السيوطي: أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون من كلام الله وبأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.


    (1) وكذا قال غيره، وبهذا فسره ابن مسعود رضي الله عنه راوي الحديث، كما في صحيح ابن حبان والحاكم، قالوا: " يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن " وتقدم قول الحافظ، أنه من الشرك؛ لما يراد به من دفع ضر، أو جلب نفع من غير الله تعالى، وتسمى الصرف والعطف.


    (2) هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث، من بني مالك بن النجار الأنصاري، له ثمانية أحاديث، نزل البصرة، وولي برقة وطرابلس، فافتتح أفريقية سنة 47 هـ، وتوفي ببرقة سنة 56 هـ، والحديث رواه أبو داود من طريقين، والنسائي وغيرهما.


    (3) فيه علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ؛ فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة 56 هـ.

    ص -88- فأخبر الناس(1) أن من عقد لحيته (2)، أو تقلد وترا (3)، أو استنجى برجيع دابة أو عظم (4)،
    .................................................. ..................
    (1) فيه دليل وجوب إخبار الناس بما أمروا به ونهوا عنه، مما يجب فعله أو تركه، وليس مختصاً برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به. فإن الله قد أخذ العهد على العلماء، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية.
    (2) بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم، ويفسر على وجهين: (أحدهما) ما كانوا يفعلونه في الحرب، يعقدون لحاهم، وذلك من زي الأعاجم يفتلونها ويعقدونها تكبرا وعجبا. (والثاني) معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث. قال ابن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة، كما في رواية محمد بن الربيع: "أن من عقد لحيته في الصلاة"، ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، من فتل أطراف الشوارب وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى "1 .
    (3) أي جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وهذا الشاهد للترجمة، وفيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها. وفي رواية محمد بن الربيع: " أو تقلد وترا يريد تميمة "2. وكل دليل يصلح في الأوتار يصلح أن يكون دليلا في التمائم وبالعكس.
    (4) الرجيع العذرة والروث، سمي رجيعا لأنه يرجع من حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، أي أزال النجو به أو بعظم. وفي صحيح مسلم: " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنها زاد إخوانكم من الجن "3. والاستنجاء بها كبيرة، وظاهر المذهب لا يجزئ، وفي الحديث "إنهما لا يطهران" .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 البخاري : اللباس (5893) , ومسلم : الطهارة (259) , والترمذي : الأدب (2763 ,2764) , والنسائي : الطهارة (15) والزينة (5045 ,5046 ,5226) , وأبو داود : الترجل (4199) , وأحمد (2/16 ,2/52 ,2/156) , ومالك : الجامع (1764).
    2 النسائي : الزينة (5067) , وأبو داود : الطهارة (36) , وأحمد (4/109).
    3 الترمذي : الطهارة (1 , وأحمد (1/457).

    ص -89- فإن محمدا بريء منه (1) "1. وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة (2) ". رواه وكيع (3). وله عن إبراهيم: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " (4).
    .................................................. ..................
    (1) وعيد شديد، ويدل على أنه من الكبائر تبرؤه صلى الله عليه وسلم ممن فعل هذه الأمور الأربعة وإجراء أحاديث الوعيد على ظاهرها أبلغ في الزجر، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها بالتأويل.
    (2) أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة لأنه مستعبد للشيطان، فإذا قطعها أعتقه من أسر الشيطان، ففيه فضل قطع التمائم وأنها شرك، ومثل هذا الأثر لا يقال بالرأي، وقال الشارح: له حكم الرفع، وهو مرسل تابعي، وألحق ابن العربي بالصحابة ما يجيء عن التابعي مما لا مجال للاجتهاد فيه، فنص على أنه في حكم المرفوع، وذكر أنه مذهب مالك والأكثر على خلافه. ووكيع هو ابن الجراح ابن وكيع بن مليح بن عدي الرؤاسي أبو سفيان، الثقة الحافظ العابد الكوفي، قال الإمام أحمد: (( ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ منه )). وقال ابن معين: (( ما رأيت أفضل منه )). صاحب تصانيف، منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، وكان من كبار التاسعة مات سنة 197 هـ.
    (3) أي ولوكيع بن الجراح عن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو ابن ربيعة بن ذهل النخعي الكوفي الثقة الفقيه، مفتي أهل الكوفة، من كبار الفقهاء، روى عن الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة وغيرهم. وعن عائشة ولم يثبت سماعه منها، وعنه الأعمش وحماد وخلق، مات سنة 96 هـ، وله 50 سنة، ومراده -رحمه الله- أصحاب عبد الله بن مسعود: كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث ابن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم من سادات التابعين.
    (4) وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم. وصححه الشارح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه، وما كان من القرآن فإنه يتعين النهي عنه أيضا لما تقدم.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1 النسائي : الزينة (5067) , وأبو داود : الطهارة (36) , وأحمد (4/109).
    تم نقل المشاركة

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •