ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2015
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    539

    افتراضي ترتيب الجزاء على الأعمال من المسائل التي ضلت فيها الجبرية والقدرية

    هاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل، وبينهما أعظم التباين: فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في طاعته، وينعم من أفنى عمره في معصيته، وكلاهما بالنسبة إليه سواء، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم منه عملا، وأكثر وأفضل درجات، والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة، من غير تعليل ولا سبب، ولا حكمة تقتضي تخصيص هذا بالثواب، وهذا بالعقاب.
    والقدرية أوجبت على الله رعاية الأصلح، وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال وثمنا لها، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ثمن. فقاتلهم الله، ما أجهلهم بالله وأغرهم به! جعلوا تفضله وإحسانه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد، حتى قالوا: "إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل".(1)
    فالمجبرة غالوا وقالوا: العبد مجبور ليس له فعل ولا إرادة، وشبهوه بالمرتعش الذي أصابته مصيبة في يده فصار يرتعش ولا يستطيع إمساكها، أو كأغصان الأشجار التى تحركها الرياح هكذا وهكذا، وهذا أبطل الباطل، فالعبد له اختيار وله إرادة وليس مجبور. (2)
    والقدرية: يرون أن الثواب على الأعمال واجب على الله، وليس له فى ذلك فضل ولا منةتعالى الله عن ذلك– بل التفضل معنى آخر وراء الثواب.
    والطائفتان جائرتان، منحرفتان عن الصراط المستقيم، الذي فطر الله عليه عباده، وجاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه، وصدقته على عبده، إن أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه، وزينها في قلبه وكره إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه، ولا هي على قدره، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه.(3)
    قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}، وقال تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقوله: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَفبين بهذه النصوص أن العمل سبب للثواب. (4)
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدا عملُه الجنة"، قالوا: "ولا أنت يا رسول الله؟"، قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة". (5)
    قال النووي رحمه الله (باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى): " هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها، وهي من الرحمة ". (6)
    فلا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة، إذ المثبت في القرآن ليس هو المنفي في السنة، والتناقض إنما يكون إذا كان المثبت هو المنفي. (7)
    فإن الباء المنفية في قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يَدخلَ أحدٌ الجنة بعملهباء المقابلة والمعاوضة، والتقديرُ لن يستحقَّ أحدُ دخول الجنة بعمل يعمله. فأزال بذلك توهم من يتوهم أنَّ الجنة ثمن الأعمال، وأنَّ صاحب العمل يستحق عَلَى الله دخول الجنة كما يستحق من دفع ثمن سلعة إِلَى صاحبها تسليم سلعته، فنفى بذلك هذا التوهم، وبيَّن أن العمل وإن كان سببًا لدخول الجنة، فإنما هو من فضل الله ورحمته، والباء المثبتة، في قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقوله {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِباء السببية، وقد جعل الله العمل سببًا لدخول الجنة. ( فهذه باء السببية ، ردا على القدرية والجبرية الذين يقولون: "لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ، ولا هي أسباب له ، وإنما غايتها أن تكون أمارات". (9)
    ولا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من العمل الصالح، كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيء، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". قالوا: "يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟" قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لماخلق له"، الحديث. (10)
    (1) مدارج السالكين (1-93).
    (2) التعليقات البازية على العقيدة الطحاوية (1244).
    (3) مدارج السالكين (1-94).
    (4) رسالة في دخول الجنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -جامع الرسائل - المجموعة الأولى (144).
    (5) رواه البخاري - باب القصد والمدوامة على العمل (7-182)، ومسلم - باب لن يدخل الجنة أحد بعمله (4-2181)
    (6) شرح النووي لصحيح مسلم (17-160).
    (7) رسالة في دخول الجنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -جامع الرسائل - المجموعة الأولى (18.
    ( بيان معنى الباء في الآية والحديث - المحجة في سير الدجلة للعلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، ومجموع رسائل ابن رجب. (9) مدارج السالكين (1-94).

    (10) رسالة في دخول الجنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -جامع الرسائل - المجموعة الأولى (146).
    التعديل الأخير تم بواسطة ; 06-Feb-2019 الساعة 11:39 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •