قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "اعلم أن آثار الرسول صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو أكثر:
أولًا: ما فعله على سبيل التعبد؛ فهذا لا شك أننا مأمورون باتباعه؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]؛ فكل شيء لا يظهر فيه أنَّه فعله تأثرًا بعادة أو بمقتضى جبلة وفطرة أو حصل اتفاقًا؛ فإنه على سبيل التعبد، ونحن مأمورون به.
ثانيًا: ما فعله اتفاقًا؛ فهذا لا يشرع لنا التأسي فيه؛ لأنه غير مقصود؛ كما لو قال قائل: ينبغي أن يكون قدومنا إلى مكة في الحج في اليوم الرابع من ذي الحجة! لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة.
فنقول: هذا غير مشروع؛ لأن قدومه صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وقع اتفاقًا.
ولو قال قائل: ينبغي إذا دفعنا من عرفة ووصلنا إلى الشعب الَّذي نزل فيه صلى الله عليه وسلم وبال أن ننزل ونبول ونتوضأ وضوءًا خفيفًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: هذا لا يشرع.
وكذلك غيرها من الأمور التي وقعت اتفاقًا؛ فإنه لا يشرع التأسي فيه بذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعله لا على سبيل القصد للتعبد، والتأسي به تعبد.
ثالثًا: ما فعله بمقتضى العادة؛ فهل يشرع لنا التأسي به؟
الجواب: نعم؛ ينبغي لنا أن نتأسى به، لكن بجنسه لا بنوعه.
وهذه المسألة قل من يتفطن لها من الناس؛ يظنون أن التأسي به فيما هو على سبيل العادة بالنوع، ثم ينفون التأسي به في ذلك.
ونحن نقول: نتأسى به، لكن باعتبار الجنس؛ بمعنى أن نفعل ما تقتضيه العادة التي كان عليها الناس؛ إلا أن يمنع من ذلك مانع شرعي.
رابعًا: ما فعله بمقتضى الجبلة؛ فهذا ليس من العبادات قطعًا، لكن قد يكون عبادة من وجه؛ بأن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم؛ فإنه بمقتضى الجبلة، لكن يسن أن يكون على اليمين، والأكل والشرب جبلة وطبيعة، ولكن قد يكون عبادة من جهة أخرى، إذا قصد به الإنسان امتثال أمر الله والتنعم بنعمه والقوة على عبادته وحفظ البدن، ثم إن صفته أيضًا تكون عبادة كالأكل باليمين، والبسملة عند البداءة، والحَمْدلة عند الانتهاء.
وهنا نسأل: هل اتخاذ الشعر عادة أو عبادة؟
يرى بعض العلماء أنَّه عبادة، وأنه يسن للإنسان اتخاذ الشعر.
ويرى آخرون أن هذا من الأمور العادية؛ بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للذي رآه قد حلق بعض رأسه وترك بعضه؛ فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوا كله أو ذروا كله"، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر ليس بعبادة، وإلا؛ لقال: أبقه، ولا تحلق منه شيئًا!
وهذه المسألة ينبغي التثبت فيها، ولا يحكم على شيء بأنه عبادة؛ إلا بدليل؛ لأن الأصل في العبادات المنع؛ إلا ما قام الدليل على مشروعيته". المصدر: شرح العقيدة الواسطية، صفحة 309.