إعـــــــلان

تقليص
1 من 2 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 2 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

مجالس العقيدة ح32 تكفير السيئات ج2 | ا.د صالح سندي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [صوتية وتفريغها] مجالس العقيدة ح32 تكفير السيئات ج2 | ا.د صالح سندي

    بسم الله

    تفريغ
    مجالس.
    مجالس العقيدة. إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.
    (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
    مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين. أرحب في مطلع هذه الحلقة من برنامج مجالس العقيدة بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات. ويسعدني أن أرحب في مطلعها أيضا برفيقي فيها الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا وأهلا.
    حياكم الله شيخنا. الله يحييكم.
    لا نزال نتكلم في موضوع تكفير السيئات إن كنتم تذكرون.
    نعم وقد انتهينا في الحلقة الماضية من الكلام عن أسباب تكفير السيئات في الدنيا. ولعلنا ننتقل الان الى أسباب التكفير في البرزخ.
    بارك الله فيكم. اسباب التكفير في البرزخ ثلاثة. الدعاء للميت داخل الصلاة. اعني صلاة الجنازة وخارجها وما يهدى اليه من عمل صالح وما يناله من أهوال القبر.
    لعلنا ننتقل من بعد الإجمالي هذا إلى التفصيل حفظكم الله بإذن الله.
    أولا الدعاء للميت سواء كان في الصلاة عليه او خارجها فان صلاة المسلمين على الميت ودعائهم له من أسباب المغفرة. ومن الأدلة على انتفاع الميت بدعاء اخوانه المسلمين. قوله صلى الله عليه وسلم (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه). ومن ذلك ايضا قوله صلى الله عليه وسلم (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) والحديثان أخرجهما مسلم. الأمر الثاني ما يهدى إليه أعني إلى الميت من حسنات إخوانه المسلمين كالصدقة والحج والعمرة، وقضاء الصوم الواجب. وهذه المسألة لعله تأتي فرصة لاحقة لتفصيل القول فيها. الأمر الثالث. ما يصيب الميت من ابتلاء وأهوال في قبره من الضيق والضغطة والفتنة. وقد أشار إلى هذا السبب جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسعدي وغيرهم. ولم أقف على دليل خاص فيه، لكن قد يستدل له بالأدلة الدالة على أن المصائب من أسباب التكفير، فإنه إذا كانت الشوكة التي يشاك بها المسلم تكفر عنه خطاياه، فكيف بتلك الأهوال العظام؟ والله المستعان.
    أحسن الله إليكم.
    هذا عن أسباب التكفير في البرزخ. فماذا عن الأسباب التي تكون يوم القيامة.
    هما سببان أهوال القيامة وشدة الموقف، وكذا شفاعة الشفعاء. أما أهوال القيامة وشدة الموقف فالكلام فيهما كالكلام المذكور انفا فيما يصاب به الميت في قبره. وأما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الشافعين فمن أدلتها قوله صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، والحديث متفق عليه.
    أحسن الله إليكم. هناك مسألة أخرى وهي كيفية تكفير السيئات، ولعلنا نبدأ ببيان هذه المسألة بكيفية تكفير الشرك الأكبر.
    بارك الله فيكم. تقرر بالنص والاجماع ان كفارة الشرك التوحيد. وان الله لا يغفر الكفر الا بالتوبة منه. والدخول في الاسلام لا يكفر الشرك إلا بالتوحيد لا بحسنات اخرى ولا بغيرها. فان الكفر لا يكفره من الحسنات الا التوبة منه بالايمان. والله جل وعلا يقول (ان الله لا يغفر ان يشرك به). ويقول سبحانه (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم. (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله)؟ وأما إن لم تحصل التوبة من الكفر فلا مغفره للكافر البتة. وهذا أمر معلوم بالضرورة من الكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم). وقال سبحانه سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم.
    بارك الله فيكم شيخنا إذا أسلم الكافر غفر له كفره وهذا واضح. لكن هل تغفر له أيضا الذنوب التي عملها في كفره ولم يتب منها في إسلامه؟ كأن يكون شاربا للخمر في كفره ثم يستمر على شربه بعد الإسلام؟
    هذه المسألة محل خلاف وفيها قولان لاهل العلم. القول الاول أنه يغفر له ما تقدم ابان كفره من المعاصي جميعا. ما تاب منه بعد إسلامه وما لم يتب وتبقى عليه تبعات معاصيه. حال إسلامه كغيره من المسلمين، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم. وقد نقل الاجماع عليه. واستدل عليه بعموم قوله سبحانه (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله)؟ أما القول الثاني فهو انه يغفر للكافر بالإسلام كفره والمعاصي التي تاب منها. واما ما اصر عليه بعد اسلامه فالمطالبة بما قبله باقية فلا تغفر الا ان يتوب منها بخصوصها وهو قول طائفة من اهل العلم واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم وهو مخرج في الصحيحين أن رجلا سأله فقال يا رسول الله ان مؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال صلى الله عليه وسلم (من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الاسلام اخذ بالاول والاخر). والذي يظهر والله اعلم رجحان كفة القول الاول لأن حمل الإحسان والإساءة في الحديث السابق على الإحسان بالطاعة والإساءة بالمعصية يلزم منه أن لا يهدم الإسلام ما قبله من الأثام إلا لمن عصم من جميع السيئات إلى الموت، وهذا باطل قطعا فتعين حمله على أن الإحسان هو صدق الدخول في الإسلام والدوام عليه بالارتداد، وأن الإساءة مقابل ذلك وهي النفاق، فإن كان اسلامه نفاقا فإنه مؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام وبما عمل بعد إظهارها. ويؤيد هذا أن المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن الإسلام يهدم كل شيء تقدمه حتى المعاصي، بدليل قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين قتل رجلا بعد أن قال لا اله الا الله. قال صلى الله عليه وسلم (يا أسامة أقتلته بعدما قال لا اله الا الله). قال فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وفي رواية حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. والحديث متفق عليه. فقد تمنى رضي الله عنه أنه لم يتقدم إسلامه وأنه أسلم يومئذ ليمحو عنه الإسلام ما تقدم فيأمن جريرة فعله. فأفاد هذا أن الإسلام سبب لتكفير الكفر ولما صاحبه أيضا من الذنوب. والله جل وعلا اعلم.
    وماذا عن كيفية تكفير الشرك الأصغر؟
    مما لا خلاف فيه أن الشرك الأصغر يغفر بالتوبة منه. وهذا واضح لكن اختلف في كونه الأكبر لا يغفر إلا بالتوبة منه. أم هو كسائر الكبائر تحت المشيئة؟ في المسألة قولان. القول الأول أنه لا يغفر إلا بالتوبة فقط، فإن لم تحصل التوبة فإنه يدخل تحت الموازنة، فإن قابلته حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، وإلا دخل النار. غير أنه لا يحكم لصاحبه بالكفر ولا بالخلود في النار. وقد استدل على هذا بعموم قوله تعالى ان الله لا يغفر ان يشرك به. حيث لم يخص شرك دون الشرك. وموضع العموم في الاية في قوله (أن يشرك به) فإن أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره إشراكا به فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. القول الثاني ان الشرك الأصغر الكبائر وصاحبه تحت المشيئة. واحتج أصحاب هذا القول بقوله تعالى إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. قالوا كما أنه باجماع الائمة أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت هذه الاية التي حكم فيها المشرك بتحريم الجنة والخلود في النار، فكذا لا يدخل في قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك لا يدخل في قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك لأن العمل هاهنا مفرد مضاف يشمل الاعمال كلها ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها الا الشرك الأكبر. قالوا وإذا فارق الشرك الأكبر في تلك الأحكام السابقة بأنه لا يحكم عليه بالكفر والخروج من الإسلام والخلود في النار صار مثل الذنوب التي دون الشرك، وأنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. وأيضا لأن مشاركته للكبائر في أحكامها الدنيوية أكثر من مشاركته للشرك الأكبر. ويؤيد قولهم أن الموازنة في الميزان الأخروي واقعة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك الأكبر، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره، فإنه لا يبقى معه عمل ينفع. فليكن. إذن حكم الشرك الأصغر حكم الكبائر. ولا يخفى ما في هذا القول وحجته من القوة والوجاهة.
    ننتقل الان الى كيفية تكفير الكبائر.
    من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى قد يتجاوز عن عبده فيكفر عنه كبائر وصغائر بمحض رحمته سبحانه. وهذا ما لا يشك فيه مسلم. وهذا ما سبقت الإشارة اليه. كما ان من زادت حسناته على سيئاته في الوزن لم يعذب على ذنوبه. والأسباب التي جعلها الله وسائلا لتكفير الكبائر وهي حسب ما تدل عليه النصوص وأقوال أهل العلم اثنان متفق عليهما وثالث مختلف فيه. أما المتفق عليهما فأولا التوبة وقد سبق الحديث عنها. ثانيا الحدود حيث تكفر الكبائر التي تقتضيها كما مضى بيانه سابقا. أما السبب المختلف فيه فهو الأعمال الصالحة. جمهور العلماء على أن الأعمال الصالحة لا تكفر الكبائر وإنما تكفر الصغائر فحسب. اللهم الا اذا لم تصادف صغيرة وصادفت كبيرة. فقد ذكر بعضهم أنه يرجى أن تخفف منها. واستدل على هذا بعدة أدلة. ومنها ما جاء من تقييد تكفير الأعمال الصالحة للسيئات باجتناب الكبائر كقوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، (والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) ففي رواية (كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر). أخرجه مسلم. فقوله إذا اجتنب الكبائر يدل على أن الكبائر إنما تغفر بالتوبة. وجاء هذا التقييد أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله). أخرجه مسلم. المقصود أن الجمهور رأوا أن الواجب حمل المطلق على المقيد، أي أن أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب وإن كان ظاهرها تعميم التكفير للصغائر والكبائر، فينبغي تقييدها بما جاء في هذين الحديثين وأمثالهما.
    وإذا ورد التقييد في شأن الصلاة التي هي عمود الإسلام فغيرها من باب أولى. وهذا التقييد أيضا ورد في كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم. ففي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر). وروي نحوه عن سلمان رضي الله عنه. من الأدلة على هذا القول أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا. إلى أن قال ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه). فالحديث صريح في أن إقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من ذلك من لقي الله، وقد تاب منها بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إلى الله تاب الله عليه وغفر له، فبقي من لم يتب داخلا تحت المشيئة. ومن الأدلة أيضا أن الله جل وعلا أمر المسلمين بالتوبة فقال ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. وهي فرض بالإجماع كما علمنا. ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية الأعمال الصالحة لم يحتج إلى التوبة، ولما كان للامر بها معنى وهذا باطل بالاجماع. هذا كما ذكرت قول جمهور العلماء. وذهبت طائفة من العلماء الى ان الكبائر تكفر بالاعمال الصالحة واستدلوا بالنصوص التي جاء فيها مغفرة الذنوب بالأعمال مطلقة دون تقييد أو استثناء. وتوسط فريق ثالث فرأوا أن الأصل في الأعمال الصالحة أن تكفر الصغائر، لكن قد تكفر الكبائر ببعض الصالحات لبعض الاعتبارات، ومن هذه الاعتبارات ما يقوم بقلب صاحبها من إخلاص وصدق عظيم، فيكون تكفير الكبائر في هذه الحال مرجعه إلى اجتماع أمرين العمل الصالح، وما قام في قلب صاحبه من إيمان ويقين كامل.
    وفي هذا يقول أبو العباس القرطبي في كتابه المفهم ولا بعد في أن يكون بعض الأشخاص تغفر له الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص في القلب، ويراعيه من الإحسان والأدب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. انتهى كلامه. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه المنهاج. والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر له به كبائر. واستدلوا لهذا التقرير بما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم (بينما كلب يطيف بركية أي ببئر كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به)، فهذه البغي قد غفر لها زناها بهذه الحسنة. وفي هذا يقول أبو العباس ابن تيمية في المنهاج فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبا يغفر لها. إلى أن قال فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها، ويصغر قدرها بما في القلوب وما في القلوب، يتفاضل لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله. عرف الإنسان أن ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم كله حق ولم يضرب بعضه ببعض. انتهى كلامه. ومن الاعتبارات التي تلاحظ هنا أداء العبادة على وجه كامل. ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته) أمه متفق عليه.
    فإنه قد يتعذر حمله على تكفير الصغائر دون الكبائر، كما قال أصحاب القول الأول. إذ هل يقال لمن غفرت صغائره وبقيت عليه كبائره رجع كيوم ولدته أمه؟ فالذي يتعين المصير إليه هو الجمع بين النصوص بحمل الحديث السابق وأمثاله على أداء العبادة على وجه كامل، فتكون حينئذ مكفرة للكبائر، وما كان منها دون ذلك فيكفر الصغائر دون الكبائر. وشتان بين عبادة مجزئة وعبادة كاملة. والله أعلم. ومن الاعتبارات أيضا شرف العمل الصالح وعظم موقعه وأثره أو شرف عامله، كما قال سبحانه في الحديث القدسي في أهل بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). والحديث متفق عليه. فهذا الحديث يقتضي مغفرة الذنوب جميعا لأنه إذا حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقا على الحديث السابق. فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة. ومن الاعتبارات أيضا أن المكفرات قد تتساعد وتتقوى ببعضها حتى تصل إلى تكفير بعض الكبائر. وعليه فيمكن أن يكون فعل العمل الصالح مع ترك الإصرار على الكبيرة سببا في تكفيرها. وأما مع الإصرار على الكبيرة فلا تكفرها الأعمال الصالحة. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله. جعل الشيء سببا للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير. ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه على انفراد أحدهما. وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل.
    أحسن الله إليكم بعد هذا التفصيل. لعلكم تلخصوا لنا ما سبق حفظكم الله.
    الذي يتلخص مما سبق أن الأقرب في هذه المسألة أن يقال إن الأعمال الصالحة إذا أديت على شروطها تكون مكفرة للصغائر، فإذا انضاف إليها سبب أخر من صدق وإخلاص تام من أثناء أدائها، أو عدم إصرار على الكبائر رجي تكفيرها لها. والله تعالى أعلم. وما أحسن عبارة ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والدواء حين جعل التكفير بالأعمال الصالحة على ثلاث درجات فقال. وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات إحداها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها، وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. والثانية أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي الى تكفير شئ من الكبائر. الثالثة ان تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.
    حسنا. ذكرتم شيخنا أحسن الله إليكم لعلنا ننتقل إلى كيفية تكفير الصغائر.
    إذا كانت الكبائر تكفر بأسباب فإن تلك الأسباب تكفر الصغائر من باب أولى. أليس كذلك؟ وعليه فما ذكر قريبا في كيفية تكفير الكبائر يشمل أيضا الصغائر. ويبقى الحديث بعد ذلك عما تختص به الصغائر من المكفرات، فيقال قد دلت الأدلة على أن تكفير الصغائر يكون بشيئين فعل الحسنات واجتناب الكبائر. أما فعل الحسنات فقد سبق سبق جملة من الأدلة الواردة فيه. وأما اجتناب الكبائر فإنه يكفر الصغائر بالإجماع، وهذا ما دل عليه قوله سبحانه (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). والسيئات هنا هي الصغائر، لأنه ذكر الكبائر قبلها. وقد وقع في بعض الأمور المتعلقة بهذين السببين بحث واختلاف.
    أحسن الله إليكم. هل يقال إن تكفير الحسنات للصغائر يشترط فيه اجتناب الكبائر؟
    هذا ما ذهب إليه بعض العلماء أنه إذا لم تجتنب الكبائر لم تكفر الأعمال الصالحة الصغائر، واستدلوا على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم الذي سبق (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)، وفي رواية (ما لم تغش كبيرة) قالوا ظاهر الحديث أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر. والصواب أن ذلك ليس بشرط، وأن فعل الصالحات مكفر مطلقا، وأن معنى قوله ما اجتنب الكبائر، أي أنه إذا فعل الكبائر لم تكفر الكبائر، فالأعمال تكفر الصغائر دون الكبائر، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء، كما نقل هذا ابن رجب رحمه الله في فتح الباري. والمصير إلى هذا التوجيه متعين جمعا بين الأدلة، فإنه قد ثبت في الشرع أن اجتناب الكبائر بمفرده يكفر الصغائر. وعليه فإذا كان اجتناب الكبائر سببا مستقلا لتكفير الصغائر كما هو منطوق الاية، فلا يصح أن يكون قيدا في سبب آخر، لكن باجتماعه مع فعل الصالحات يكون التكفير أقوى كما تقدم. ولاحظ أنه إذا اجتنب أحد الكبائر بالكلية فلا بد أن يكون قد فعل الفرائض المكفرة لأنه بتركها يكون مرتكب لكبيرة، وهذا واضح والقولان من هذه الجهة متفقان. وتنبه يا - رعاك الله - الى أنه وإن ترجح ان ترك الكبائر ليس بشرط في تكفير الاعمال للصغائر لكن يشترط عدم الاصرار على الصغائر لأنه بالإصرار عليها تصير كبائر. والأصل أن الأعمال الصالحة المجردة لا تكفر الكبائر كما تقدم. وكون أنه [لا صغيرة مع الإصرار] قد قاله ابن عباس رضي الله عنهما. روي أيضا عن أنس رضي الله عنه وهو المعروف عند أهل العلم. لكن حذاري أن تغتر. فإن نصوص الوعد ومنها نصوص التكفير لها شروط وموانع. ومن الموانع الإصرار كما سبق. ومن شروط التكفير بالحسنات تحسين العمل. ولا أحد يتحقق من نفسه ذلك. وعليه فلا يقطع بتكفير سيئاته. وذلك أن المعروف عند أهل العلم أن كل قول أو فعل رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول والفعل التام. وبناء على هذا فإنه تجب التوبة من الصغائر لعدم القطع بتحقيق شروط التكفير وانتفاء موانعه. والله أعلم.
    أحسن الله إليكم شيخنا. وهنا مسألة يكثر البحث فيها. هل تبدل السيئات حسنات؟
    اختلف أهل العلم فيمن تاب من ذنوبه توبة نصوحا. هل تبدل سيئاته حسنات؟ بمعنى يكتب له مكان كل سيئة حسنة؟ أم أنه تمحى تلك السيئات ويصير لا له ولا عليه؟ وسبب الخلاف راجع إلى تفسير قوله تعالى (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). الخلاف يرجع الى قولين. القول الاول. ان هذا التبديل واقع في الدنيا بأن يبدل شركه إسلاما ومعصيته طاعة. بمعنى بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات وليس أنه يكتب للتائب مكان كل سيئة حسنة. أما القول الثاني فهو أن التبديل واقع في الاخرة. وعليه فيكون المعنى أن تلك السيئات تنقلب بالتوبة النصوح حسنات ويكتب له ثوابها. واستدل اصحاب القول الاول بأن السيئات امر مبغوض لربنا سبحانه فكيف تنقلب محبوبة مرضية يثاب عليها؟ ثم إنه يلزم على القول بالتبديل وإنقلاب السيئات حسنات أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته، بل ان يكون من جمع بين الحسنات والسيئات أحسن حالا ممن أتى بالحسنات وحدها، لأنه يشاركه في الحسنات ويمتاز عنه بالسيئات التي انقلبت حسنات. وهذا اللازم معلوم بطلانه بالضرورة فبطل الملزوم. ثم إن الذي دلت عليه نصوص كثيرة في القران والسنة هو تكفير السيئات فحسب. ومنها حديث النجوى المتفق عليه وفيه. (فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم). قالوا فهذا الحديث الذي تضمن ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرته له يوم القيامة، ولم يقل له وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة، فدل ذلك على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها. وهذا الاستدلال على كل حال فيه ما فيه لأن البحث في ماذا؟ في التائب، وهذا الحديث ليس في التائب.
    على كل حال هذا بعض ما استدلوا به. وأما الفريق الآخر فاستدل بالآية السابقة (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). فقالوا حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة، والله تعالى أضاف التبديل إليه، فدل على أنه شيء فعله هو سبحانه وسيئاتهم، فلو كان المقصود ما ذكره أصحاب القول الأول لأضاف التبديل إليهم كما استدلوا بما أخرج مسلم في حديث أبي ذر مرفوعا الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم (أخر أهل الجنة دخولا لها)، وأن الله تعالى يقول له (فإن لك مكان كل سيئة حسنة). والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الصواب في هذه المسألة التوسط بين القولين، فالذنب نفسه لا ينقلب حسنة يثاب عليها، إنما التبديل المراد هو أن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها توبة وهي حسنة قد بدلت تلك السيئة بها، فإذا كان كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها. فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة. وهذا اختيار ابن القيم وابن رجب، واليه مال ابن كثير رحمة الله على الجميع. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في المدارج. التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة، فصار كل ذنب عمله زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة، فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار. انتهى كلامه. وهذا القول يمكن التوفيق به بين القولين السابقين وأدلتهم. والله أعلم.
    أحسن الله إليكم. وهذا يقتضي هذا القول أن يكون التائب من الذنوب أفضل ممن لا يقاربها.
    الجواب. لا بد من التفصيل. فالتفضيل بحسب حال التائب من الذنوب وبحسب حال السالم منها. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له كلام في تقرير هذه المسألة، حيث قال التائب عمله أعظم من عمل غيره، ومن لم يكن له مثل تلك السيئات، فإن كان قد عمل مكان السيئات ذلك التائب حسنات فهذا درجته بحسب حسناته. فقد يكون ارفع من التائب ان كانت حسناته أرفع. وإن كان قد عمل سيئات ولم يتب منها فهذا ناقص. وإن كان مشغولا بما لا ثواب فيه ولا عقاب. فهذا التائب الذي اجتهد في التوبة والتبديل له من العمل والمجاهدة ما ليس لذلك البطال.
    أحسن الله إليكم شيخنا. هل من وصية نختم بها هذا الموضوع؟
    نعم قد علمت أيها الموفق بما مضى. أهمية هذا الموضوع. إن سيئاتنا كثيرة إلا من رحم ربي. نحن نقصر فيما أوجب الله علينا كثيرا، ونقع فيما حرم الله كثيرا. لا سيما بعد أن انفتحت علينا أبواب قربت البعيد من المعاصي وسهولتها. الشبكة ووسائل التواصل والفضائيات. وغيرها كثير. إذن علينا أن نجاهد أنفسنا في أن لا نعصي الله، فإن زلت القدم فعلينا أن نلزم أنفسنا أسباب التكفير، فنحن أحوج إليها من الطعام والشراب بل والنفس. علينا أن نتوب وأن نجدد التوبة كل يوم. علينا أن نلهج باستغفار غفار الذنوب سبحانه كل حين. لتكن استغفر الله واتوب اليه. على ألسنتنا كثيرة كثيرة. فإن من يكثر القرع يوشك أن يفتح له. علينا أن نستكثر من الحسنات ونحسنها. فهي باب عظيم لتكفير سيئاتنا. ولعل حسنة تكون سبب النجاة. وإذا ابتلينا بالمصائب فعلينا أن نحتسب الأجر ونصبر لله ولا نتبرم ونسخط فيفوتنا ما يترتب على المصائب من التكفير. لا تكره تقدير الله بالمصيبة، بالمرض، بالفقر، بأي مصيبة تنزل. ربما كانت السبب في أن تنفض عنك ذنوبك نفضا تزحزح عن النار، وكل مصيبات الدنيا مجتمعة لا تساوي غمسة واحدة في جهنم. نعوذ بالله منها وعلينا. بعد كل ما سبق أن نتمسك بحبل عظيم للنجاة، ألا وهو رجاء رحمة الله. فرحمة الله واسعة، ينبغي أن تكون رحمة الله أرجى عندنا من أعمالنا رحمة الله أكبر سبب لتكفير السيئات، وأعظم سبب وأهم سبب، وأرجع سبب. اللهم لا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
    قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكة العربية السعودية. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
    الملفات المرفقة
يعمل...
X