بسم الله
يقول سيكون حديثا ممتعا. فالحديث عن الملائكة حبيب إلى النفوس
المصدر اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية
حفظنا الله
تفريغ مجالس العقيدة ح43 الإيمان بالملائكة ج1.mp3
مجالس.
مجالس. العقيدة. إذاعة القرأن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.
مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
الشيخ : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين، أما بعد. فمرحبا وأهلا بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات. في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة. ويسعدني في مطلعها أن أرحب بأخويا الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا وأهلا.
الضيوف : حياكم الله شيخنا. الله يحييكم شيخنا.
الشيخ : حديثنا في هذه الحلقة عن الركن الثاني من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة.
الضيف : إذن سيكون حديثا ممتعا. فالحديث عن الملائكة حبيب إلى النفوس. ولعله تكون البداية ببيان معنى الملائكة في اللغة.
الشيخ : الملائكة جمع ملك أو ملك وملك أشهر. والأكثر والأشهر أن اشتقاق هذه الكلمة من الألوكة وهي الرسالة وهذا حق. فإن الملائكة رسل الله جاعل الملائكة رسلا. فهم رسل الله سبحانه يرسلهم بما شاء إلى حيث شاء.
الضيف : أحسن الله اليكم. وما تعريف الملائكة في الشرع؟
الشيخ : الملائكة في الشرع هم عباد مكرمون خلقهم الله من نور لا يحصي عددهم إلا هو، دائبون في طاعته، يدبر بهم شؤون هذا العالم.
الضيف : أحسن الله إليكم، لعلكم تفصلون لنا هذا الإجمال.
الشيخ : عندنا في هذا التعريف ست جمل. أولا الملائكة عباد لله سبحانه عباد لامعبود مربوبون. وليسوا أربابا. والله خالقهم وإلههم ليس لهم من الأمر شيء. كما أخبر سبحانه عن قولهم عن أنفسهم (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). ويقول سبحانه ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. وعليه فليس له من الأمر شيء. وعليه فلا يجوز دعاؤهم ولا أن تتعلق القلوب بهم. وقد أجمع المسلمون على أن من دعا ملكا من الملائكة جبريل أو غيره، أو صرف له أي نوع من العبادة فقد كفر. ثانيا هم مكرمون أكرمهم الله سبحانه. قال - جل وعلا - (بل عباد مكرمون). وشرفهم سبحانه بنسبتهم إليه (كل آمن بالله وملائكته). وهذه نسبة تشريف. ثالثا خلقهم الله من نور. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق أدم مما وصف لكم ) أي من الطين، ولا ندري كيف كان خلقه من نور فهذا غيب. وحسبنا أن نصدق بما أخبر الله به وبما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم. رابعا الملائكة عدد كبير لا يحصيهم إلا الله وما يعلم جنود ربك إلا هو. ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). سبحان الله! عدد عظيم. وهؤلاء هم فقط الموكلون بجر جهنم إلى المكان الذي يشاؤه الله سبحانه. وأعجب من هذا ما في الصحيحين من حديث المعراج. قال النبي صلى الله عليه وسلم (فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم). تخيل معي. في كل يوم يدخله هذا العدد. ولكل ملك زيارة واحدة فقط. إذا هؤلاء عدد هائل جدا. خامسا أنهم دائبون في طاعة الله كما سيأتي معنا. (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). فلا يملون ولا ينقطعون عن طاعة الله سبحانه. سادسا أن الله سبحانه يدبر بهم شؤون هذا العالم. ولذا أقسم سبحانه بهم في قوله (فالمدبرات أمرا). وهم الملائكة. يدبر الله سبحانه بهم شئون هذا العالم علويه وسفليه. كما سيأتي الكلام عن هذا إن شاء الله.
الضيف : أحسن الله إليكم شيخنا لو حدثتنا عن مكانة الإيمان بالملائكة.
الشيخ : الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإيمان فقال (أن تؤمن بالله وملائكته). إلى أخر الحديث. فهو ثاني ركن ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله. وهكذا الأمر في حديث جبريل المشهور الذي خرجه مسلم في صحيحه. ولا شك أن أهل الإيمان يؤمنون بالملائكة ورأسهم رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم. قال جل وعلا (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته). وعليه فالكفر بهم والتكذيب ضلال بعيد. قال تعالى (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا) وأجمع المسلمون على كفر من كذب بوجودهم أو أنكر ما أخبر سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم.
الضيف : أحسن الله إليكم. ما معنى الإيمان بالملائكة؟
وكيف يكون الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور. أولا الإيمان بوجودهم، فالله سبحانه أخبرنا عن خلق من خلقه هم الملائكة، فهم موجودون لا شك في ذلك ولا ريب، فنحن نصدق خبره تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. لذا لا يختلف المسلمون على أن من أنكر وجودهم فقد كفر. ثانيا الإيمان بما علمنا سبحانه من أسمائهم وألقابهم وصفاتهم وأعمالهم. الإيمان بما علمنا. وإذا قلنا علمنا فإننا لا نعلم شيئا حتى يعلمنا الله. (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) إذا ما ثبت في القرءان أو في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور فإنه يجب التصديق به. أولا نؤمن بما علمنا من أسمائهم وألقابهم وأسماء الملائكة وألقابهم في الكتاب والسنة جاءت لمجموعات وفئات منهم كما جاءت لأحاديث وأفراد. فمما جاء في مجموعاتهم. الزبانية هم أيضا خزنة النار. وجاء خزنة الجنة. المعقبات والحفظة وحملة العرش. ومن حول العرش. إلى غير ذلك من هذه المجموعات.
الضيف : وبعضهم يذكر طائفة منهم يسمون الكروبيين.
الشيخ : لا أعلم دليلا صحيحا على هذه التسمية أو هذا اللقب، وقد جاء ذكره في حديث ضعيف أو ضعيف جدا، وتكلم به بعض السلف، وأنهم إما حملة العرش أو من حوله، أو أنهم طائفة من الملائكة هم دوما في كرب وبكاء من خشية الله. وعلى كل حال ليس لنا أن نثبت من هذه الأمور الغيبية إلا ما جاء في القرءان أو صحيح السنة، ولا دليل يصح فيما أعلم في الكروبيين. والله أعلم. أما بالنسبة لأحاديثهم وأفرادهم فجاء في النصوص تسمية جبريل وميكائيل وإسرافيل والمنكر والنكير، وهما من يتولى سؤال الميت في قبره. كذلك جاء مالك الذي هو خازن النار، وجاء أيضا ملك الموت وجاء هاروت وماروت.
الضيف : أحسن الله إليكم. بعض الناس ربما سمى بعض الملائكة بما لم يأت الدليل عليه مثل عزرائيل، فلو نبهتم على هذا الأمر.
الشيخ : أحسنت يا دكتور. بعض الناس يسمون الملائكة بما لم يأت دليل عليه، ربما يكون هذا متلقى من الإسرائيليات أو غيرها، وهذا في الحقيقة مما لا ينبغي، لا ينبغي أن نسمي إلا بما دل الدليل عليه، فالملائكة بالنسبة لنا غيب، وليس لنا أن نخوض في الغيب إلا في حدود ما جاء في الوحي، من ذلك ما تفضلت به من تسمية ملك الموت عزرائيل، وهذا لم يصح به دليل فيما أعلم قد تكلم به بعض أهل العلم المتقدمين واستعملوه. لكن الحجة في القران والسنة كذلك مما لم يصح تسمية خازن الجنة. رضوان هذا لم يصح به حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك بعض الناس يسمي كتبة أعمال بني أدم رقيبا وعتيد. وهذان. الصواب أنهما وصفان للملكين. كلاهما رقيب وكلاهما عتيد. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). رقيب. أي مراقب وعتيد أي ملازم. وهذان وصفان لكليهما كذلك بعض الناس يقول الملكان اللذان يمتحن المؤمن في قبره هما مبشر وبشير، وهذا مما لا أصل له.
الضيف : ولعل مما يقرب من هذا شيخنا. ظن بعض الناس أن إبليس من الملائكة.
الشيخ : الصواب أن إبليس ليس من الملائكة وإنما هو من الجن. وأما ما قاله بعض أهل العلم من أنه منهم لأنه دخل في الأمر بالسجود في قوله سبحانه (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس). الصواب أنه كائن معهم وليس منهم. هذا هو التحقيق. إبليس كائن معهم فيشمله الأمر وليس منهم. أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن التحقيق أنه كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله، أي هو كائن معهم يتعبد لله جل وعلا مع الملائكة لكنه ليس من جنسهم. والله سبحانه أعلم. عودا على بدء. قلنا نصدق بما علمنا من أسمائهم وألقابهم. وكذا صفاتهم وأعمالهم. صفاتهم خلقية وخلقية. من صفاتهم الخلقية أنهم خلقوا من نور كما تقدم. والله أعلم كيف كان ذلك. من صفاتهم أيضا أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وأكثر من ذلك. قال سبحانه. (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير). وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام وله ستمائة جناح، كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين. من صفاتهم أيضا أن لهم قلوب. قال جل وعلا. (حتى إذا فزع عن قلوبهم). ولهم أيد. قال سبحانه. (والملائكة باسطوا أيديهم). ولهم أعين. ولهم أذان. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش. إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، والله أعلم بكيفية هذه الصفات. أيضا من صفاتهم أنهم ذووا قوة، ولهم منظر حسن، كما قال سبحانه عن جبريل عليه السلام (ذو مرة فاستوى). والمرة. فيها قولان للسلف. القوة. والمنظر الحسن. وكلاهما حق. فهم أهل قوة. وكذلك هم أهل منظر حسن. وهذا هو المستقر في نفوس الناس. ولذلك النسوة في قصة يوسف عليه السلام. ماذا قلنا عن يوسف؟ (إن هذا إلا ملك كريم).
الضيف : أحسن الله إليكم شيخنا. وماذا عن صفاتهم الخلقية؟
الشيخ : هي كثيرة وأشير منها هنا إلى ثلاث فقط. فأولها وأعظمها أنهم عابدون لله منقادون لطاعته. قال سبحانه. (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). لا يعملون إلا إذا أمر الله (وما نتنزل إلا بأمر ربك). فالملائكة مجبولون على طاعته سبحانه معصومون عن معصيته، وهذا من توفيقه تعالى لهم، كما قال جل وعلا عن طائفة منهم وهم خزنة النار. (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). وبقية الملائكة حالهم كحال الخزنة قطعا. وكيف تكون منهم المعصية ووقتهم كله مشغول بطاعة الله فلا ينقطعون عنها البتة. قال سبحانه (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) لا يستنكفون عن طاعة الله ولا يستحسرون. لا ينقطعون عن طاعته. لا يتوقفون عن العبادة البتة. بل هم في عبادة لله دائبة مستمرة. وقيل لا يستحسرون. أي لا يتعبون. وقيل أي لا يملون. وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، فهم لا ينقطعون عن الطاعة لا بسبب تعب ولا بسبب ملل وسأم. وهم مع هذه الطاعة العظيمة أهل خوف وخشية عظيمة. قال سبحانه. يخافون ربهم من فوقهم. وفي السنة لابن أبي عاصم والطبراني في الأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. (ليلة أسري بي مررت على جبريل في الملأ الأعلى كالحلم البالي من خشية الله عز وجل). المقصود أن أعظم صفات الملائكة عبادة الله سبحانه، فهم يؤمنون به ويعبدونه ويخافونه ويصلون له ويسجدون.
قال جل وعلا (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا.) وأبرز عباداتهم التي جاءت في النصوص تسبيح الله سبحانه فقد أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا (وإنا لنحن المسبحون) وقال سبحانه. (والملائكة يسبحون بحمد ربهم). قال تعالى (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). أي لا ينقطعون عن تسبيح الله في كل وقت حتى وهم يباشرون الأعمال التي أمرهم الله بها. لا ينقطعون عن تسبيحه، ولذا قال من قال من السلف إنهم يلهمون تسبيح الله كما نلهم نحن النفس. ثانيا أنهم أهل حياء. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله عنه (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)؟ أخرجه مسلم. ثالثا أنهم يحبون ويبغضون وحبهم وبغضهم تابع لما يحبه الله سبحانه ويبغضه. في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه. قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا أبغضوه. قال يبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض).
الضيف : أحسن الله إليكم. وماذا عن أعمال الملائكة؟
الشيخ : نعم للملائكة أعمال يقومون بها، والله سبحانه قد وكلهم بها وأمرهم وهي كثيرة سيأتي الكلام عنها لاحقا إن شاء الله. المقصود أن الملائكة من جند الله يدبر الله بهم شؤون هذا الكون مع غناه عنهم، فهم المدبرات أمرا. قال سبحانه فالمدبرات أمرا.
الضيف : أحسن الله إليكم. وكيف نجمع بين كون الله سبحانه هو الذي يدبر الأمر وبين كون الملائكة هي المدبرات أمرا؟
الشيخ : إضافة التدبير إلى الله سبحانه من جهه امره ومشيئته وخلقه وإضافة التدبير إلى الملائكة من جهة المباشرة، فهم الذين يباشرون ذلك بأمر الله. فصحت إضافة التدبير إلى الله سبحانه وإضافة التدبير إلى الملائكة.
الضيف : أحسن الله إليكم. هل ننتقل إلى الأمر الثالث مما يندرج تحت الإيمان بالملائكة؟
الشيخ : نعم. الأمر الثالث اعتقاد فضلهم وإكرامهم وإنزالهم منزلتهم. فإن الملائكة عباد مكرمون بنص كتاب الله. وقد وصفهم سبحانه بأنهم كرام. (بأيدي سفرة كرام بررة.) وأنهم مكرمون (بل عباد مكرمون). الملائكة كما تقدم أضافهم الله سبحانه إليه. إضافة تشريف. (كل أمن بالله وملائكته). (توفته رسلنا) ووصفهم سبحانه بأنهم عنده (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون). ووصفهم الله بأنهم مقربون إليه. (ولا الملائكة المقربون). الملائكة هم الملأ الأعلى. (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون). لهم علو المكان ولهم علو المكانة. هؤلاء من أكثر الله سبحانه من ذكرهم في كتابه. حتى قال ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان. والقرأن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم واعمالهم ومراتبهم. إلى أن قال. بل لا تخلو سورة من سور القرءان عن ذكر الملائكة صريحا أو تلويحا وإشارة. وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. فأكثر و أشهر من أن تذكر. انتهى كلامه. الملائكة هم من أقسم الله سبحانه بهم. كما تجده في مفتتح الصافات. وفي مفتتح المرسلات. وفي مفتتح النازعات. إنهم رسل الله في خلقه وأمره وسفرائه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده من أقطار الأرض، وتصعد إليه بالأمر وقد أطت بهم السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد. ومن كان هذا شأنهم كان تعظيمهم واعتقاد فضلهم، وأن لهم المنزلة والشرف العظيم شيئا واجبا.
الضيف : أحسن الله إليكم. ما حكم سبهم أو السخرية بهم؟
الشيخ : لا يختلف المسلمون أن من سخر بالملائكة أو أحدهم. أو استهزأ بهم. أو استخف. أو عابهم. أو سبهم. لا يختلفون أنه قد كفر بهذا وارتد عن الإسلام. فالموضوع في غاية الخطورة. حتى قال بعض أهل العلم إنه يكفر من قال كلمة. قد تشعر بنوع استخفاف بهم. كأن يقول شخص لأخر رؤيتي لك كرؤية ملك الموت. واليوم يا دكتور سعود. ويا دكتور معاذ. قد نجد ممن قد سفه نفسه من يسخر أو كما يقولون ينكت في المجالس أو وسائل التواصل بشأن ملك الموت أو غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام. الموضوع خطير جد خطير. (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين).
الضيف : جزاكم الله خيرا. وماذا عن الامر الرابع.
الشيخ : الامر الرابع. موالاتهم ومحبتهم مما يتضمنه الايمان بالملائكة. موالاتهم عليهم السلام ومحبتهم. وكيف لا يكون ذلك كذلك؟ والملائكة أولياء المؤمنين في الدنيا والاخرة هم أنصارهم وحفظتهم ونصحوهم ومحبتهم والداعون لهم المستغفرون بل هم أنصح من يصاحبهم وأنفعهم وأبرهم. وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة). إذن من الإيمان بالملائكة محبتهم لله وذلك لسببين. أولا أنهم قائمون بعبادة الله على الوجه الأكمل، وكل مؤمن يحب عباد الله الصالحين لاجله سبحانه. وثانيا يحبهم بموالاتهم للمؤمنين ودعائهم ونصحهم. فإذا كانوا يوالون كما أخبر الله (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الأخرة). إذا كانوا يدأبون في الدعاء لك والاستغفار. كيف لا تكون محبا لهم؟ إنهم يحبون المؤمنين. فكيف لا يبادلونهم بالمحبة؟ إنهم الذين يتنزلون عليهم مبشرين. (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). وهذا التنزل كما حققه ابن القيم رحمه الله يكون عند الموت وعند البعث وعند دخول الجنة. هؤلاء الكرام يقولون لهم (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الأخرة) فكيف لا يتخذهم المؤمنون أولياء.
الضيف : أحسن الله إليكم. هل من تفصيل أكثر لهذا؟
الشيخ : من رحمة الله عز وجل بعباده أن قيض لهم من الملائكة من يسعى في استقامتهم وصلاح شأنهم. ومن الشواهد على اعتناء الملائكة بالمؤمنين وإعانتهم على فعل ما يقربهم من رحمة الله سبحانه ويجنبهم مساخطه. أولا حثهم على الخير وتزيينه لهم، وقذف الحق في قلوبهم وترغيبهم فيه، كما يتضمن ذلك ترهيبهم من الشر، وزجرهم عن الباطل، وتقبيحه في قلوبهم. هذا الذي يعتقده سلف الأمة، والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه (إن للملك لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك، إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجدها فليحمد الله، ولمة الشيطان، إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. فمن وجدها فليستعذ بالله). أخرجه الطبري بإسناد صحيح وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمستفاد من هذا الأثر أن الملك يلقي في القلب الحق كما يجريه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب كما يجريه على اللسان. ومن الشواهد على أن الملائكة يسددون بني أدم ويرشدونهم ويذكرونهم أن سليمان عليه السلام لما قال (لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، قال له الملك قل إن شاء الله). والحديث متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا بد أن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها هم الملائكة أو الشيطان، فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر. انتهى كلامه. إذا لمة الملك تثمر الإقبال على الله، والإنابة إليه وذكره ونزول السكينة والطمأنينة. يقول ابن القيم رحمه الله فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له، والإرشاد والتثبيت والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه عنه، والاستغفار له إذا زل، وتذكيره إذا نسي وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها. إلى أن قال فهو أنيسه في الوحدة ووليه ومعلمه ومثبته ومسكن جأشه ومراقبته في الخير ويحذره من الشر يستغفر له إن أساء. ويدعو له بالثبات إن أحسن.
انتهى كلامه. ثانيا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم. فدعاء الملائكة للمؤمنين من أسباب تثبيتهم وتسليمهم. قال سبحانه (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور). كما أن دعاء الملائكة للمؤمنين شاهد صدق على محبتهم لهم وحرصهم على استقامة أحوالهم، كما أخبر جل وعلا عنهم (ويستغفرون لمن في الأرض). وكما قال سبحانه. وتأمل هذا الدعاء العجيب. (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ابائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم). انظر إلى هذا الدعاء العظيم الذي لا يصدر إلا ممن هم محبون لأهل الإيمان. وصدق مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله حين قال [وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، واغش العباد للعباد الشياطين]. ثم تلا ما سبق سوقه. ثالثا نزول الملائكة الكرام المبشرات مما فيه تثبيت المؤمنين الطائعين، وأعظم المبشرات وحي رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على قلوب الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين). الخلاصة. الملائكة. منذ أن يكون الإنسان نطفة في رحم أمه وهم يتولونه، وإلى أن يغادر هذه الحياة ثم من بعده إلى أن يبعث، ثم من بعده إلى دخوله الجنة. والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. في كل ذلك والملائكة يتولون عباد الله المؤمنين يساعدونهم ويثبتون لهم. إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا. إذا كان ذلك كذلك، فإن من المتعين على أهل الإيمان أن يحبوهم ويواليهم بعكس حال الكفار. من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين.
الضيف : أحسن الله إليكم. وهل لموالاتهم ومحبتهم لوازم؟
الشيخ : نعم. ومنها مراعاة الأدب معهم واجتناب أذيتهم. فإن من آمن بهؤلاء الملائكة الكرام وقام بالذي ينبغي عليه من اعتقاد فضلهم، ومن محبتهم وولايتهم، فعليه أن يراعي الأدب معهم، وأن يحذر من أذيتهم. وقد أرشدنا سبحانه لهذا حيث قال (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون). قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والدواء. ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر ولا يجله ولا يوقره. وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله. (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين.) أي استحيوا هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيوا أن يراكم عليه من هو مثلكم، (والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم). فإذا كان ابن أدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان. انتهى كلامه. وقال أيضا. فملك المؤمن يرد عنه. ويحارب. ويدافع. ويعلمه. ويثبته. ويشجعه. فلا يليق به أن يسيء جواره. ويبالغ في أذاه. وطرده عنه. وإبعاده. فإنه ضيفه وجاره. وإذا كان إكرام الضيف من الادميين. والإحسان إلى الجار من لزوم الإيمان وموجباته. فما الظن بإكرام أكرم الأضياف. وخير الجيران وبرهم. انتهى كلامه.
الضيف : الله المستعان. ما أعظم التفريط في هذا وما أقل من يفكر فيه.
الشيخ : صدقت يا دكتور. الله المستعان. الخلاصة. الملك لا سيما قرينك. ومن يكتب عملك جار لك أيها المؤمن. وحقه عليك الإكرام والأدب والحذر من أذيته. وهذا ما تلحظه واضحا في السنة.
الضيف : أحسن الله إليكم. هلا ذكرتم لنا شواهد على هذا؟
تجد مثلا النهي عن أذية الملائكة ولو بالرائحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم. (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم). أخرجه مسلم. تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يبصق المسلم في صلاته عن يمينه، وعلل ذلك عليه الصلاة والسلام بعدم أذية الملك. قال صلى الله عليه وسلم (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا ليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفن بها). أخرجه البخاري. تجد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أن يكون من المسلم سبب يمنع دخول الملائكة بيته من كلاب أو صور ذوات أرواح أو تماثيل، قال صلى الله عليه وسلم (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه.
الضيف : وما أكثر الغفلة والتقصير في هذا الأمر أيضا.
الشيخ : صدقت يا دكتور معاذ. بعض الناس مع الأسف الشديد يزين بيته بصور ذوات الأرواح. إما أن تكون صورا معلقة لا ظل لها، وإما أن تكون وهذا أشد صورا مجسمة لذوات الأرواح. يقول أنا أزين البيت. أنت يا عبد الله وقعت بهذا في سبب يمنع الملائكة من دخول بيتك. وإذا دخل الملائكة بيتك فأبشر بالخير. في دخول الملائكة البيت حصول الخير العظيم لأهله، وإذا لم تدخل الملائكة دخلت الشياطين. نعم أنت تزين البيت لكنك تزينه للشياطين ولست تزينه للملائكة.
الضيف : شيخنا حفظكم الله لو ختمنا حلقتنا بذكر شيء من ثمرات الإيمان بالملائكة.
الشيخ : ثمرات الإيمان بالملائكة كثيرة أقتصر منها لضيق الوقت على ثلاث. أولا العلم بعظمة خالق الملائكة تبارك وتعالى وقوته وسلطانه. قد علمنا سابقا أن خلق الملائكة خلق عظيم. جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. ومر بنا أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش. إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، هذا مخلوق من جملة مخلوقات كثيرة لله سبحانه، فكيف هي عظمته تبارك وتعالى؟ كمال المخلوق يدلنا على أن خالقه أكمل، وعظمته تدلنا على أن خالقه أعظم. ثانيا شكره تعالى على عنايته بعباده حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم ومصالحهم. فكون الله سبحانه قد أوكل بالعباد الملائكة الكرام يسددون هم ويعينونهم ويحفظون هم بأمره، هذا دليل على رحمته بهم، فيزداد المؤمن محبة له سبحانه وحمده. ثالثا استصغار الإنسان عمله وعدم غروره بطاعته. إذا نظرت في عملك ونظرت في عمل الملائكة ماذا ستقول؟ قد سمعت ما أخبر الله عنهم. (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). وأنهم لا يدخلهم فتور في طاعة ربهم. (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). عند الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله). هذا مما يورث المسلم استصغار عمله. ومجانبة الغرور والاستيقان بأن حق ربه عليه أعظم وأعظم. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكه العربيه السعوديه. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
يقول سيكون حديثا ممتعا. فالحديث عن الملائكة حبيب إلى النفوس
المصدر اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية
حفظنا الله
تفريغ مجالس العقيدة ح43 الإيمان بالملائكة ج1.mp3
مجالس.
مجالس. العقيدة. إذاعة القرأن الكريم من المملكة العربية السعودية. تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الإسلامية.
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.
مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
الشيخ : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين، أما بعد. فمرحبا وأهلا بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات. في حلقة جديدة من برنامج مجالس العقيدة. ويسعدني في مطلعها أن أرحب بأخويا الدكتور سعود العوفي والدكتور معاذ الطيب. فمرحبا وأهلا.
الضيوف : حياكم الله شيخنا. الله يحييكم شيخنا.
الشيخ : حديثنا في هذه الحلقة عن الركن الثاني من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة.
الضيف : إذن سيكون حديثا ممتعا. فالحديث عن الملائكة حبيب إلى النفوس. ولعله تكون البداية ببيان معنى الملائكة في اللغة.
الشيخ : الملائكة جمع ملك أو ملك وملك أشهر. والأكثر والأشهر أن اشتقاق هذه الكلمة من الألوكة وهي الرسالة وهذا حق. فإن الملائكة رسل الله جاعل الملائكة رسلا. فهم رسل الله سبحانه يرسلهم بما شاء إلى حيث شاء.
الضيف : أحسن الله اليكم. وما تعريف الملائكة في الشرع؟
الشيخ : الملائكة في الشرع هم عباد مكرمون خلقهم الله من نور لا يحصي عددهم إلا هو، دائبون في طاعته، يدبر بهم شؤون هذا العالم.
الضيف : أحسن الله إليكم، لعلكم تفصلون لنا هذا الإجمال.
الشيخ : عندنا في هذا التعريف ست جمل. أولا الملائكة عباد لله سبحانه عباد لامعبود مربوبون. وليسوا أربابا. والله خالقهم وإلههم ليس لهم من الأمر شيء. كما أخبر سبحانه عن قولهم عن أنفسهم (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). ويقول سبحانه ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. وعليه فليس له من الأمر شيء. وعليه فلا يجوز دعاؤهم ولا أن تتعلق القلوب بهم. وقد أجمع المسلمون على أن من دعا ملكا من الملائكة جبريل أو غيره، أو صرف له أي نوع من العبادة فقد كفر. ثانيا هم مكرمون أكرمهم الله سبحانه. قال - جل وعلا - (بل عباد مكرمون). وشرفهم سبحانه بنسبتهم إليه (كل آمن بالله وملائكته). وهذه نسبة تشريف. ثالثا خلقهم الله من نور. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق أدم مما وصف لكم ) أي من الطين، ولا ندري كيف كان خلقه من نور فهذا غيب. وحسبنا أن نصدق بما أخبر الله به وبما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم. رابعا الملائكة عدد كبير لا يحصيهم إلا الله وما يعلم جنود ربك إلا هو. ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). سبحان الله! عدد عظيم. وهؤلاء هم فقط الموكلون بجر جهنم إلى المكان الذي يشاؤه الله سبحانه. وأعجب من هذا ما في الصحيحين من حديث المعراج. قال النبي صلى الله عليه وسلم (فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم). تخيل معي. في كل يوم يدخله هذا العدد. ولكل ملك زيارة واحدة فقط. إذا هؤلاء عدد هائل جدا. خامسا أنهم دائبون في طاعة الله كما سيأتي معنا. (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). فلا يملون ولا ينقطعون عن طاعة الله سبحانه. سادسا أن الله سبحانه يدبر بهم شؤون هذا العالم. ولذا أقسم سبحانه بهم في قوله (فالمدبرات أمرا). وهم الملائكة. يدبر الله سبحانه بهم شئون هذا العالم علويه وسفليه. كما سيأتي الكلام عن هذا إن شاء الله.
الضيف : أحسن الله إليكم شيخنا لو حدثتنا عن مكانة الإيمان بالملائكة.
الشيخ : الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإيمان فقال (أن تؤمن بالله وملائكته). إلى أخر الحديث. فهو ثاني ركن ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله. وهكذا الأمر في حديث جبريل المشهور الذي خرجه مسلم في صحيحه. ولا شك أن أهل الإيمان يؤمنون بالملائكة ورأسهم رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم. قال جل وعلا (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته). وعليه فالكفر بهم والتكذيب ضلال بعيد. قال تعالى (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا) وأجمع المسلمون على كفر من كذب بوجودهم أو أنكر ما أخبر سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم.
الضيف : أحسن الله إليكم. ما معنى الإيمان بالملائكة؟
وكيف يكون الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور. أولا الإيمان بوجودهم، فالله سبحانه أخبرنا عن خلق من خلقه هم الملائكة، فهم موجودون لا شك في ذلك ولا ريب، فنحن نصدق خبره تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. لذا لا يختلف المسلمون على أن من أنكر وجودهم فقد كفر. ثانيا الإيمان بما علمنا سبحانه من أسمائهم وألقابهم وصفاتهم وأعمالهم. الإيمان بما علمنا. وإذا قلنا علمنا فإننا لا نعلم شيئا حتى يعلمنا الله. (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) إذا ما ثبت في القرءان أو في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور فإنه يجب التصديق به. أولا نؤمن بما علمنا من أسمائهم وألقابهم وأسماء الملائكة وألقابهم في الكتاب والسنة جاءت لمجموعات وفئات منهم كما جاءت لأحاديث وأفراد. فمما جاء في مجموعاتهم. الزبانية هم أيضا خزنة النار. وجاء خزنة الجنة. المعقبات والحفظة وحملة العرش. ومن حول العرش. إلى غير ذلك من هذه المجموعات.
الضيف : وبعضهم يذكر طائفة منهم يسمون الكروبيين.
الشيخ : لا أعلم دليلا صحيحا على هذه التسمية أو هذا اللقب، وقد جاء ذكره في حديث ضعيف أو ضعيف جدا، وتكلم به بعض السلف، وأنهم إما حملة العرش أو من حوله، أو أنهم طائفة من الملائكة هم دوما في كرب وبكاء من خشية الله. وعلى كل حال ليس لنا أن نثبت من هذه الأمور الغيبية إلا ما جاء في القرءان أو صحيح السنة، ولا دليل يصح فيما أعلم في الكروبيين. والله أعلم. أما بالنسبة لأحاديثهم وأفرادهم فجاء في النصوص تسمية جبريل وميكائيل وإسرافيل والمنكر والنكير، وهما من يتولى سؤال الميت في قبره. كذلك جاء مالك الذي هو خازن النار، وجاء أيضا ملك الموت وجاء هاروت وماروت.
الضيف : أحسن الله إليكم. بعض الناس ربما سمى بعض الملائكة بما لم يأت الدليل عليه مثل عزرائيل، فلو نبهتم على هذا الأمر.
الشيخ : أحسنت يا دكتور. بعض الناس يسمون الملائكة بما لم يأت دليل عليه، ربما يكون هذا متلقى من الإسرائيليات أو غيرها، وهذا في الحقيقة مما لا ينبغي، لا ينبغي أن نسمي إلا بما دل الدليل عليه، فالملائكة بالنسبة لنا غيب، وليس لنا أن نخوض في الغيب إلا في حدود ما جاء في الوحي، من ذلك ما تفضلت به من تسمية ملك الموت عزرائيل، وهذا لم يصح به دليل فيما أعلم قد تكلم به بعض أهل العلم المتقدمين واستعملوه. لكن الحجة في القران والسنة كذلك مما لم يصح تسمية خازن الجنة. رضوان هذا لم يصح به حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك بعض الناس يسمي كتبة أعمال بني أدم رقيبا وعتيد. وهذان. الصواب أنهما وصفان للملكين. كلاهما رقيب وكلاهما عتيد. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). رقيب. أي مراقب وعتيد أي ملازم. وهذان وصفان لكليهما كذلك بعض الناس يقول الملكان اللذان يمتحن المؤمن في قبره هما مبشر وبشير، وهذا مما لا أصل له.
الضيف : ولعل مما يقرب من هذا شيخنا. ظن بعض الناس أن إبليس من الملائكة.
الشيخ : الصواب أن إبليس ليس من الملائكة وإنما هو من الجن. وأما ما قاله بعض أهل العلم من أنه منهم لأنه دخل في الأمر بالسجود في قوله سبحانه (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس). الصواب أنه كائن معهم وليس منهم. هذا هو التحقيق. إبليس كائن معهم فيشمله الأمر وليس منهم. أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن التحقيق أنه كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله، أي هو كائن معهم يتعبد لله جل وعلا مع الملائكة لكنه ليس من جنسهم. والله سبحانه أعلم. عودا على بدء. قلنا نصدق بما علمنا من أسمائهم وألقابهم. وكذا صفاتهم وأعمالهم. صفاتهم خلقية وخلقية. من صفاتهم الخلقية أنهم خلقوا من نور كما تقدم. والله أعلم كيف كان ذلك. من صفاتهم أيضا أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وأكثر من ذلك. قال سبحانه. (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير). وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام وله ستمائة جناح، كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين. من صفاتهم أيضا أن لهم قلوب. قال جل وعلا. (حتى إذا فزع عن قلوبهم). ولهم أيد. قال سبحانه. (والملائكة باسطوا أيديهم). ولهم أعين. ولهم أذان. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش. إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، والله أعلم بكيفية هذه الصفات. أيضا من صفاتهم أنهم ذووا قوة، ولهم منظر حسن، كما قال سبحانه عن جبريل عليه السلام (ذو مرة فاستوى). والمرة. فيها قولان للسلف. القوة. والمنظر الحسن. وكلاهما حق. فهم أهل قوة. وكذلك هم أهل منظر حسن. وهذا هو المستقر في نفوس الناس. ولذلك النسوة في قصة يوسف عليه السلام. ماذا قلنا عن يوسف؟ (إن هذا إلا ملك كريم).
الضيف : أحسن الله إليكم شيخنا. وماذا عن صفاتهم الخلقية؟
الشيخ : هي كثيرة وأشير منها هنا إلى ثلاث فقط. فأولها وأعظمها أنهم عابدون لله منقادون لطاعته. قال سبحانه. (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). لا يعملون إلا إذا أمر الله (وما نتنزل إلا بأمر ربك). فالملائكة مجبولون على طاعته سبحانه معصومون عن معصيته، وهذا من توفيقه تعالى لهم، كما قال جل وعلا عن طائفة منهم وهم خزنة النار. (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). وبقية الملائكة حالهم كحال الخزنة قطعا. وكيف تكون منهم المعصية ووقتهم كله مشغول بطاعة الله فلا ينقطعون عنها البتة. قال سبحانه (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) لا يستنكفون عن طاعة الله ولا يستحسرون. لا ينقطعون عن طاعته. لا يتوقفون عن العبادة البتة. بل هم في عبادة لله دائبة مستمرة. وقيل لا يستحسرون. أي لا يتعبون. وقيل أي لا يملون. وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، فهم لا ينقطعون عن الطاعة لا بسبب تعب ولا بسبب ملل وسأم. وهم مع هذه الطاعة العظيمة أهل خوف وخشية عظيمة. قال سبحانه. يخافون ربهم من فوقهم. وفي السنة لابن أبي عاصم والطبراني في الأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. (ليلة أسري بي مررت على جبريل في الملأ الأعلى كالحلم البالي من خشية الله عز وجل). المقصود أن أعظم صفات الملائكة عبادة الله سبحانه، فهم يؤمنون به ويعبدونه ويخافونه ويصلون له ويسجدون.
قال جل وعلا (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا.) وأبرز عباداتهم التي جاءت في النصوص تسبيح الله سبحانه فقد أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا (وإنا لنحن المسبحون) وقال سبحانه. (والملائكة يسبحون بحمد ربهم). قال تعالى (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). أي لا ينقطعون عن تسبيح الله في كل وقت حتى وهم يباشرون الأعمال التي أمرهم الله بها. لا ينقطعون عن تسبيحه، ولذا قال من قال من السلف إنهم يلهمون تسبيح الله كما نلهم نحن النفس. ثانيا أنهم أهل حياء. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله عنه (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)؟ أخرجه مسلم. ثالثا أنهم يحبون ويبغضون وحبهم وبغضهم تابع لما يحبه الله سبحانه ويبغضه. في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه. قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا أبغضوه. قال يبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض).
الضيف : أحسن الله إليكم. وماذا عن أعمال الملائكة؟
الشيخ : نعم للملائكة أعمال يقومون بها، والله سبحانه قد وكلهم بها وأمرهم وهي كثيرة سيأتي الكلام عنها لاحقا إن شاء الله. المقصود أن الملائكة من جند الله يدبر الله بهم شؤون هذا الكون مع غناه عنهم، فهم المدبرات أمرا. قال سبحانه فالمدبرات أمرا.
الضيف : أحسن الله إليكم. وكيف نجمع بين كون الله سبحانه هو الذي يدبر الأمر وبين كون الملائكة هي المدبرات أمرا؟
الشيخ : إضافة التدبير إلى الله سبحانه من جهه امره ومشيئته وخلقه وإضافة التدبير إلى الملائكة من جهة المباشرة، فهم الذين يباشرون ذلك بأمر الله. فصحت إضافة التدبير إلى الله سبحانه وإضافة التدبير إلى الملائكة.
الضيف : أحسن الله إليكم. هل ننتقل إلى الأمر الثالث مما يندرج تحت الإيمان بالملائكة؟
الشيخ : نعم. الأمر الثالث اعتقاد فضلهم وإكرامهم وإنزالهم منزلتهم. فإن الملائكة عباد مكرمون بنص كتاب الله. وقد وصفهم سبحانه بأنهم كرام. (بأيدي سفرة كرام بررة.) وأنهم مكرمون (بل عباد مكرمون). الملائكة كما تقدم أضافهم الله سبحانه إليه. إضافة تشريف. (كل أمن بالله وملائكته). (توفته رسلنا) ووصفهم سبحانه بأنهم عنده (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون). ووصفهم الله بأنهم مقربون إليه. (ولا الملائكة المقربون). الملائكة هم الملأ الأعلى. (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون). لهم علو المكان ولهم علو المكانة. هؤلاء من أكثر الله سبحانه من ذكرهم في كتابه. حتى قال ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان. والقرأن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم واعمالهم ومراتبهم. إلى أن قال. بل لا تخلو سورة من سور القرءان عن ذكر الملائكة صريحا أو تلويحا وإشارة. وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. فأكثر و أشهر من أن تذكر. انتهى كلامه. الملائكة هم من أقسم الله سبحانه بهم. كما تجده في مفتتح الصافات. وفي مفتتح المرسلات. وفي مفتتح النازعات. إنهم رسل الله في خلقه وأمره وسفرائه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده من أقطار الأرض، وتصعد إليه بالأمر وقد أطت بهم السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد. ومن كان هذا شأنهم كان تعظيمهم واعتقاد فضلهم، وأن لهم المنزلة والشرف العظيم شيئا واجبا.
الضيف : أحسن الله إليكم. ما حكم سبهم أو السخرية بهم؟
الشيخ : لا يختلف المسلمون أن من سخر بالملائكة أو أحدهم. أو استهزأ بهم. أو استخف. أو عابهم. أو سبهم. لا يختلفون أنه قد كفر بهذا وارتد عن الإسلام. فالموضوع في غاية الخطورة. حتى قال بعض أهل العلم إنه يكفر من قال كلمة. قد تشعر بنوع استخفاف بهم. كأن يقول شخص لأخر رؤيتي لك كرؤية ملك الموت. واليوم يا دكتور سعود. ويا دكتور معاذ. قد نجد ممن قد سفه نفسه من يسخر أو كما يقولون ينكت في المجالس أو وسائل التواصل بشأن ملك الموت أو غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام. الموضوع خطير جد خطير. (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين).
الضيف : جزاكم الله خيرا. وماذا عن الامر الرابع.
الشيخ : الامر الرابع. موالاتهم ومحبتهم مما يتضمنه الايمان بالملائكة. موالاتهم عليهم السلام ومحبتهم. وكيف لا يكون ذلك كذلك؟ والملائكة أولياء المؤمنين في الدنيا والاخرة هم أنصارهم وحفظتهم ونصحوهم ومحبتهم والداعون لهم المستغفرون بل هم أنصح من يصاحبهم وأنفعهم وأبرهم. وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة). إذن من الإيمان بالملائكة محبتهم لله وذلك لسببين. أولا أنهم قائمون بعبادة الله على الوجه الأكمل، وكل مؤمن يحب عباد الله الصالحين لاجله سبحانه. وثانيا يحبهم بموالاتهم للمؤمنين ودعائهم ونصحهم. فإذا كانوا يوالون كما أخبر الله (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الأخرة). إذا كانوا يدأبون في الدعاء لك والاستغفار. كيف لا تكون محبا لهم؟ إنهم يحبون المؤمنين. فكيف لا يبادلونهم بالمحبة؟ إنهم الذين يتنزلون عليهم مبشرين. (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). وهذا التنزل كما حققه ابن القيم رحمه الله يكون عند الموت وعند البعث وعند دخول الجنة. هؤلاء الكرام يقولون لهم (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الأخرة) فكيف لا يتخذهم المؤمنون أولياء.
الضيف : أحسن الله إليكم. هل من تفصيل أكثر لهذا؟
الشيخ : من رحمة الله عز وجل بعباده أن قيض لهم من الملائكة من يسعى في استقامتهم وصلاح شأنهم. ومن الشواهد على اعتناء الملائكة بالمؤمنين وإعانتهم على فعل ما يقربهم من رحمة الله سبحانه ويجنبهم مساخطه. أولا حثهم على الخير وتزيينه لهم، وقذف الحق في قلوبهم وترغيبهم فيه، كما يتضمن ذلك ترهيبهم من الشر، وزجرهم عن الباطل، وتقبيحه في قلوبهم. هذا الذي يعتقده سلف الأمة، والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه (إن للملك لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك، إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجدها فليحمد الله، ولمة الشيطان، إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. فمن وجدها فليستعذ بالله). أخرجه الطبري بإسناد صحيح وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمستفاد من هذا الأثر أن الملك يلقي في القلب الحق كما يجريه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب كما يجريه على اللسان. ومن الشواهد على أن الملائكة يسددون بني أدم ويرشدونهم ويذكرونهم أن سليمان عليه السلام لما قال (لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، قال له الملك قل إن شاء الله). والحديث متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا بد أن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها هم الملائكة أو الشيطان، فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر. انتهى كلامه. إذا لمة الملك تثمر الإقبال على الله، والإنابة إليه وذكره ونزول السكينة والطمأنينة. يقول ابن القيم رحمه الله فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له، والإرشاد والتثبيت والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه عنه، والاستغفار له إذا زل، وتذكيره إذا نسي وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها. إلى أن قال فهو أنيسه في الوحدة ووليه ومعلمه ومثبته ومسكن جأشه ومراقبته في الخير ويحذره من الشر يستغفر له إن أساء. ويدعو له بالثبات إن أحسن.
انتهى كلامه. ثانيا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم. فدعاء الملائكة للمؤمنين من أسباب تثبيتهم وتسليمهم. قال سبحانه (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور). كما أن دعاء الملائكة للمؤمنين شاهد صدق على محبتهم لهم وحرصهم على استقامة أحوالهم، كما أخبر جل وعلا عنهم (ويستغفرون لمن في الأرض). وكما قال سبحانه. وتأمل هذا الدعاء العجيب. (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ابائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم). انظر إلى هذا الدعاء العظيم الذي لا يصدر إلا ممن هم محبون لأهل الإيمان. وصدق مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله حين قال [وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، واغش العباد للعباد الشياطين]. ثم تلا ما سبق سوقه. ثالثا نزول الملائكة الكرام المبشرات مما فيه تثبيت المؤمنين الطائعين، وأعظم المبشرات وحي رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على قلوب الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين). الخلاصة. الملائكة. منذ أن يكون الإنسان نطفة في رحم أمه وهم يتولونه، وإلى أن يغادر هذه الحياة ثم من بعده إلى أن يبعث، ثم من بعده إلى دخوله الجنة. والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. في كل ذلك والملائكة يتولون عباد الله المؤمنين يساعدونهم ويثبتون لهم. إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا. إذا كان ذلك كذلك، فإن من المتعين على أهل الإيمان أن يحبوهم ويواليهم بعكس حال الكفار. من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين.
الضيف : أحسن الله إليكم. وهل لموالاتهم ومحبتهم لوازم؟
الشيخ : نعم. ومنها مراعاة الأدب معهم واجتناب أذيتهم. فإن من آمن بهؤلاء الملائكة الكرام وقام بالذي ينبغي عليه من اعتقاد فضلهم، ومن محبتهم وولايتهم، فعليه أن يراعي الأدب معهم، وأن يحذر من أذيتهم. وقد أرشدنا سبحانه لهذا حيث قال (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون). قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والدواء. ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر ولا يجله ولا يوقره. وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله. (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين.) أي استحيوا هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيوا أن يراكم عليه من هو مثلكم، (والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم). فإذا كان ابن أدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان. انتهى كلامه. وقال أيضا. فملك المؤمن يرد عنه. ويحارب. ويدافع. ويعلمه. ويثبته. ويشجعه. فلا يليق به أن يسيء جواره. ويبالغ في أذاه. وطرده عنه. وإبعاده. فإنه ضيفه وجاره. وإذا كان إكرام الضيف من الادميين. والإحسان إلى الجار من لزوم الإيمان وموجباته. فما الظن بإكرام أكرم الأضياف. وخير الجيران وبرهم. انتهى كلامه.
الضيف : الله المستعان. ما أعظم التفريط في هذا وما أقل من يفكر فيه.
الشيخ : صدقت يا دكتور. الله المستعان. الخلاصة. الملك لا سيما قرينك. ومن يكتب عملك جار لك أيها المؤمن. وحقه عليك الإكرام والأدب والحذر من أذيته. وهذا ما تلحظه واضحا في السنة.
الضيف : أحسن الله إليكم. هلا ذكرتم لنا شواهد على هذا؟
تجد مثلا النهي عن أذية الملائكة ولو بالرائحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم. (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم). أخرجه مسلم. تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يبصق المسلم في صلاته عن يمينه، وعلل ذلك عليه الصلاة والسلام بعدم أذية الملك. قال صلى الله عليه وسلم (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا ليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفن بها). أخرجه البخاري. تجد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أن يكون من المسلم سبب يمنع دخول الملائكة بيته من كلاب أو صور ذوات أرواح أو تماثيل، قال صلى الله عليه وسلم (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه.
الضيف : وما أكثر الغفلة والتقصير في هذا الأمر أيضا.
الشيخ : صدقت يا دكتور معاذ. بعض الناس مع الأسف الشديد يزين بيته بصور ذوات الأرواح. إما أن تكون صورا معلقة لا ظل لها، وإما أن تكون وهذا أشد صورا مجسمة لذوات الأرواح. يقول أنا أزين البيت. أنت يا عبد الله وقعت بهذا في سبب يمنع الملائكة من دخول بيتك. وإذا دخل الملائكة بيتك فأبشر بالخير. في دخول الملائكة البيت حصول الخير العظيم لأهله، وإذا لم تدخل الملائكة دخلت الشياطين. نعم أنت تزين البيت لكنك تزينه للشياطين ولست تزينه للملائكة.
الضيف : شيخنا حفظكم الله لو ختمنا حلقتنا بذكر شيء من ثمرات الإيمان بالملائكة.
الشيخ : ثمرات الإيمان بالملائكة كثيرة أقتصر منها لضيق الوقت على ثلاث. أولا العلم بعظمة خالق الملائكة تبارك وتعالى وقوته وسلطانه. قد علمنا سابقا أن خلق الملائكة خلق عظيم. جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. ومر بنا أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش. إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، هذا مخلوق من جملة مخلوقات كثيرة لله سبحانه، فكيف هي عظمته تبارك وتعالى؟ كمال المخلوق يدلنا على أن خالقه أكمل، وعظمته تدلنا على أن خالقه أعظم. ثانيا شكره تعالى على عنايته بعباده حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم ومصالحهم. فكون الله سبحانه قد أوكل بالعباد الملائكة الكرام يسددون هم ويعينونهم ويحفظون هم بأمره، هذا دليل على رحمته بهم، فيزداد المؤمن محبة له سبحانه وحمده. ثالثا استصغار الإنسان عمله وعدم غروره بطاعته. إذا نظرت في عملك ونظرت في عمل الملائكة ماذا ستقول؟ قد سمعت ما أخبر الله عنهم. (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). وأنهم لا يدخلهم فتور في طاعة ربهم. (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). عند الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله). هذا مما يورث المسلم استصغار عمله. ومجانبة الغرور والاستيقان بأن حق ربه عليه أعظم وأعظم. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
قدمت لكم اذاعة القران الكريم من المملكه العربيه السعوديه. برنامج مجالس العقيدة. إعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي. إخراج نايف بن عطية العوفي.
