بسم الله
تفريغ
مجالس مجالس العقيدة اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الاسلامية
مجالس العقيدة
اعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبدالعزيز سندي اخراج نايف بن عطية العوفي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين اما بعد
فمرحبا واهلا في حلقة جديدة في برنامج مجالس العقيدة ارحب في مطلعها برفيقي فيها فضيلة الدكتور سعود العوفي وفضيلة الدكتور معاذ الطيب فمرحبا واهلا
حياكم الله شيخنا
الله يحييكم شيخنا جزاكم خير
لا يزال حديثنا موصولا بموضوع قواعد القلوب
اسأل الله ان يصلح قلوبنا ويرزقنا حياتها وسلامتها
امين
نعم سلمكم الله
وقد انتهينا من ثلاث قواعد وهذا او ان الشروع في القاعدة الرابعة
بارك الله فيكم
القاعدة الرابعة القلب هو الاصل والجوارح تبع
القلب ملك الجوارح وسلطانها
والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره
فاذا صلح الملك صلحت رعاياه
واذا فسد الملك فسدت
قال ابو هريرة رضي الله عنه فيما اخرجه معمر في جامعه والبيهقي في الشعب
[القلب ملك وله جنود
اذا صلح الملك صلحت جنوده
واذا فسد الملك فسدت جنوده]
واذا كان الجسد تابعا للقلب
اذا لا يستقر شيء في القلب الا ظهر مقتضاه على البدن
ولو بوجه من الوجوه
فاذا كان فيه معرفة وارادة سرى ذلك الى البدن بالضرورة ولا يمكن ان يتخلف البدن عما يريده القلب
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (الا وان في الجسد مضغة
اذا صلحت صلح الجسد كله
واذا فسدت فسد الجسد كله
الا وهي القلب)
والحديث متفق عليه
فاذا كان القلب صالحا ما فيه من الايمان علما وعملا لزم ضرورة صلاح الجسد
اي ان يتحرك بمقتضى ذلك من الاقوال الحسنة والاعمال الصالحة
وما لم يظهر اثر صالح فهو دليل على فساد الباطن
قال صلى الله عليه وسلم (التقوى ها هنا واشار الى صدره ثلاث مرات) اخرجه مسلم
ما مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (التقوى ها هنا)
مراده امران متداخلان
الاول ان المتقي هو المخلص في فعل التقوى
وليس بالذي يترك لأجل الناس او يفعل لأجل الناس
والثاني ان الاصل في التقوى والفجور هو القلب
فاذا بر القلب واتقى برت الجوارح
واذا فجر القلب فجرت الجوارح
ومهما يكن من شيء
فان من تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها
علم ارتباط اعمال الجوارح بأعمال القلوب
وانها لا تنفع بدونها
كما علم ان اعمال القلوب افرض على العبد من اعمال الجوارح
وهل يتميز المؤمن عن المنافق الا بما في قلب كل واحد منهما? وهل يمكن احدا الدخول في الاسلام الا بعمل قلبه قبل لسانه وجوارحه
وهل تنفع الاعمال الصالحة ما لم تكن مؤسسة على التوحيد الخالص?
احسن الله اليكم
وما المستفاد من معرفة ان القلب هو الاصل والجوارح تبع
نستفيد امورا
اولا ان احكام القلوب اهم من معرفة احكام الجوارح
اذ هي اصلها واحكام الجوارح متفرعة عنها
وما اكثر الغفلة عن هذا
ثانيا ان الثواب والعقاب والمدح والذمة وتوابعهما
هي للقلب اصلا
الجوارح تبعا فهنيئا لمن تعاهد قلبه
ثالثا ان المقصود بالأعمال اولا صلاح القلب واستقامته وعبوديته لربه ومليكه
وجعلت اعمال الجوارح تابعة لهذا المقصد
مرادة له
كما قال تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)
رابعا ان عبودية القلب اعظم من عبودية الجوارح واكثر وادوم
فهي واجبة في كل وقت بخلاف اعمال الجوارح
خامسا ان كل ما اوجبه الله على العباد لابد ان يجب على القلب فانه الاصل
وان وجب على غيره تبعا
فالعبد انما يعلم بالأمر والنهي قلبه
وانما يقصد بالطاعة والامتثال قلبه
والعلم بالمأمور وقصد الامتثال يكون قبل وجود الفعل المأمور به
فالقلب اذا هو الاصل فيه
ومثله الاقوال المأمور بها
فالقلب اخص بها
فلابد ان يعلم القلب ما يقول ويقصد
ولهذا كانت الاقوال في الشرع لا تعتبر الا من عاقل يعلم ما يقوله ويقصده
فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله لغو في الشرع
والشرع لم يرتب المؤاخذة الا على ما يكسبه القلب من الاقوال والافعال الظاهرة
كما قال تعالى (ولكن يؤاخذكم بما قلوبكم)
سادسا ان يعلم انه كما ان للقلب على الجوارح سلطة
فللجوارح على القلب تأثير
ما معنى هذا احسن الله اليك? المعنى هو كما ان ما يظهر على البدن من الاقوال والاعمال هو موجب ما في القلب ولازمه
ودليله ومعلوله فكذا ما يقوم بالبدن من الاقوال والاعمال له ايضا تأثير في القلب
فكل منهما يؤثر في الاخر
لكن القلب هو الاصل والبدن فرع له
والفرع يستمد من اصله
والاصل يثبت ويقوى بفرعه كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الايمان
قال تعالى (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بأذن ربها)
وهي كلمة التوحيد
فالشجرة كلما قوي اصلها قوي فرعها وفروعها ايضا اذا اقتدت بالمطر والريح اثر ذلك في اصلها
احسن الله اليكم
لعلكم تذكرون لنا الخلاصة المستفادة من هذه القاعدة
الخلاصة هي اعتني بقلبك ولا تغفل عنه
فان الايمان القائم بالقلوب اصل كل خير
وهو خير ما اوتيه العبد في الدنيا والاخرة
وبه تحصل له سعادة الدنيا والاخرة
والنجاة من شقاوة الدنيا والاخرة
ومتى ما رسخ الايمان في القلب انبعثت الجوار بالاعمال الصالحة واللسان بالكلام الطيب
فاذا ذاق العبد حلاوة الايمان ووجد طعمه
ظهرت ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه ولابد
فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه
واسرعت الجوارح الى طاعة الله
فحين إذ يدخل حب الايمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه
ويصير الخروج من الايمان اكره الى القلوب من الالقاء في النار
وامر عليها من الصبر اخرج ابن المبارك في كتابه الزهد عن محمد بن مسلم رحمه الله قال بلغني عن ابي الدرداء رضي الله عنه انه دخل المدينة فقال [ما لي لا ارى عليكم يا اهل المدينة في حلاوة الايمان والذي نفسي بيده لو ان دب الغابة طعم الايمان لرؤي عليه حلاوة الايمان]
هل ننتقل الى القاعدة الخامسة?
القاعدة الخامسة الغنى غنى القلب
الغنى على الحقيقة ليس الا لله الغني بذاته عن كل ما سواه
وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع
وغناه امر نسبي عارض له
فانه انما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غني به فقير اليه
ولا يوصف بالغنى على الاطلاق الا من غناه من لوازم ذاته فهو الغني بذاته سبحانه عما سواه
هو الاحد الصمد الغني الحميد جل جلاله
وما احسن ما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله [والفقر لي وصف ذات لازم ابدا
كما الغنى ابدا
وصف له ذاتي] والغني من الخلق انما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته
وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة
لا يسدها الا فوزه بمعرفة الغني الحميد وعبادته
فهذا ان حصل للعبد حصل له كل شيء
وان فاته فاته كل شيء
واذا استيقن العبد بهذا تبين له ان الفقر الى الله عز وجل هو عين الغنى
احسن الله اليكم
هذه قاعدة عظيمة
الفقر الى الله هو عين الغناء
نعم
وكمال الغنى سبحانه هو كمال عبوديته
وحقيقة العبودية كمال الافتقار اليه من كل وجه
من حيث كونه ربا ومن حيث كونه معبودا
وهذا الافتقار هو عين الغنى به
فافقر الناس الى الله اغناهم به
واذلهم له اعزهم واضعفهم بين يديه اقواهم
فكما انه سبحانه الغني بذاته على الحقيقة ولا غني سواه
فالغني به هو الغني في الحقيقة ولا غنى بغيره البتة
فمن لم يستغني به عما سواه تقطعت نفسه حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح
>يا غنيا بالدنانير محب الله اغنى<
وماذا عن الغنى بغيره? الغنى بغيره سبحانه عين الفقر
فانه غنى بمعدوم فقير
وكيف يستغني الفقير بفقير مثله? فمن لم يستغني قلبه بالله ففقره بين عينيه ولا يزال خائفا من الفقر ولن يستغني قلبه بشيء ولن يشبع من الدنيا ولن يغنيه ما كثر له منها وانما يضر نفسه قال ابن رجب رحمه الله ولهذا قال الامام احمد وابن عيينة وابن وهب وجماعة من الائمة ان [الفقر الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم هو فقر النفس]
انتهى كلامه
وقد اخرج النسائي في الكبرى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( انما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب )
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) ان حقيقة غنى القلب
تعلقه بالله وحده وحقيقة فقره المذموم تعلقه بغيره واذا اغنى الله القلب صح سيره اليه وقطع تعلقه بغيره
ولم يقصد سواه واكتفى به واستغنى عما سواه واستوحش ممن يقطعه عنه
احسن الله اليكم
وكيف الوصول لغنى القلب بالله
لا سبيل لغنى القلب الا بتحقيقه العبودية المحضة له جل في علاه
فهي اعظم خلعة تخلع عليه
فاذا استغنى القلب بهذا الغنى استغنت النفس غنا يناسبها
وذهب عنه كسلها واخلادها الى الارض
وسقيت بماء في الحياة الذي انزله الله عز وجل على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم
(وانه لتنزيل رب العالمين
نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)
فالنفس التي سقيت بالوحي انبت من كل زوج كريم فانقادت بزمام المحبة والخوف والرجاء الى مولاها سبحانه مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له
(يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اغنى عباد الله قلبا
قال تعالى (ووجدك عائلا فأغنى)
والصحيح والله اعلم ان الغنى في الآية يعم نوعي الغنى
فأغنى قلبه به
واغناه من الدنيا عن غيره وكان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه هذا الغنى فكان يقول كما في صحيح مسلم ( اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ) والمراد بالغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في ايديهم اذا غنى اليد شيء وغنى القلب شيء اخر
صحيح
غنى اليد شيء وغنى القلب شيء اخر
والشأن كل الشأن في غنى القلب
وغنى اليد محمود ام مذموم? غنى اليد اي الغنى بالمال وحطام الدنيا
هذا لذاته لا يذم ولا يمدح
والمعول على ما يقارنه في القلب
فان غنى اليد قد يقارنه غنى القلب فيكون ممدوحا
وفي المسند ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)
وقد يقارن اليد فقر القلب فيكون وبالا على صاحبه
والمقصود انه اذا من الله على عبده بغنى قلبه فأي فقر يخشى وقد فاز بهذا الحظ الجليل
واي غنى فات حتى يتحسر عليه
واعلم ايها الموفق ان النفس اذا ارتقت الى غنى القلب استغنت به عن التطاول الى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة
والتقاعد عن الامور المطلوبة المرغوبة
فان فقرها الى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وايضا فتقاعدها عن المطلوب موجب لفقرها الى الشهوات والله المستعان
بارك الله فيكم
هل ننتقل الى القاعدة السادسة? نعم
وهي تكميل وتكميم للقاعدة السابقة
القاعدة السادسة اذا استغنى القلب بالخالق
استغنى عن المخلوق
القلب لا يستغني الا بالله تعالى كما تقدم
فقد خلق الانسان محتاجا الى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره
ونفسه مريدة دائمة
ولابد لها من مراد يكون غاية مطلوبها
تسكن اليه وتطمئن به وكل مألوه سواه سبحانه يحصل به الفساد
لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا
ولا يحصل صلاح القلوب الا بعبادة الله وحده والاستعانة به فهو مفتقر اليه إله
ومفتقر اليه ربا
فلا حول ولا قوة الا بالله ولا ملجأ منه الا اليه
والعبد ان لم يكن مخلصا لله الدين عبد غيره واشرك به عبادة واستعانة
وما ذاك الا لجهله بسعادته وظلمه نفسه
وهو ظلوم جهول
والا فسعادته في ان لا يعبد الا الله
ولا يستعين الا به
فبالعبادة له يستغني عن معبود اخر
وباستعانته به يستغني عن معين غيره
ولذا فالمشرك لا يحصل له ما يقر عينه ويغني قلبه فان الله سبحانه خلق عباده حنفاء على الفطرة
قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين (كل مولود يولد على الفطرة)
فالقلب مخلوق مفطور على فطرة الاسلام
وهو الاستسلام لله دون ما سواه
فهو بفطرته لا يريد ان يعبد الا الله
فلا يطمئن قلبه ولا تحصل لذته وسروره
الا بان يكون الله معبوده دون ما سواه
واذا لم يحصل هذا سيبقى في عطش وهلع
فيطلب ما يسكن به ويلتذ
فلا يجد امامه الا معاقرة الموبقات
اذا لن يستغني القلب عن جميع المخلوقات
الا بان يكون الله مولاه الذي لا يعبد الا اياه
ولا يستعين الا به
ولا يتوكل الا عليه
ولا يفرح الا بما يرضاه
ولا يكره الا ما يكرهه
ولا يوالي الا من والاه ولا يعادي الا من عاداه
ولا يحب الا له ولا يبغض الا له ولا يعطي الا له
ولا يمنع الا له
فبقدر اخلاصه لله ومحبته
تكمل عبوديته ويتم استغناؤه عن المخلوقات
قال بعضهم [ اذا انقطع العبد الى الله بالكلية
فاول ما يفيده الاستغناء به عما سواه ]
وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته
قويت عبوديته له وحريته مما سواه
فكما ان طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له
فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه
كما قيل استغني عمن شئت تكن نظيره
وافضل على من شئت تكن اميرة واحتج الى من شئت تكن اسيرة
احسن الله اليكم وكيف الوصول لهذه الرتبة? لن يرتقي العبد الى هذه الرتبة الا بان يشهد فقرا تاما الى ربه
ويوقن بان كل ذرة من ذراته الظاهرة و الباطنة مضطرة اليه من جهة كونه ربا مدبرا
ومن جهة كونه الها معبودا فلا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره
احسن الله اليكم وما السبيل المعينة على الوصول لهذا الافتقار? لن يصل العبد له الا بمعرفتين لابد له منهما
معرفة حقيقة الربوبية والالهية
ومعرفة حقيقة النفس والعبودية
فاذا اعطى هاتين المعرفتين حقهما اتصفا بهذا الفقر
فما اغناه حينئذ فقير وما اعزه من ذليل وما اقواه من ضعيف وما انسه من وحيد
فهو الغني بالا مال القوي بلا سلطان
العزيز بلا عشيرة
المكفي بلا عتاد
قد قرت عينه بالله
فقرت به كل عين
واستغنى بالله فافتقر اليه الاغنياء
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله فان المخلوقين [اذا اشتكى اليهم الانسان فضررهم اقرب من نفعهم
والخالق جل جلاله وتقدست اسماؤه ولا اله غيره
اذا اشتكى اليه المخلوق وانزل حاجته به واستغفره من ذنوبه ايده وقواه وهداه وسد فاقته واغناه وقربه واقناه وحبه واصطفاه والمخلوق اذا انزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم اعرض عنه] انتهى كلامه
هذا مقام عظيم يحتاج الى مجاهدة النفس
احسنت يا دكتور
ومما يعين على تحقيق الاستغناء بالله
رياضة النفس واخذها بالحزم
بان تستغني عن الناس ما امكن
وتحفظ ماء الوجه من ان يراق لهم
فهذا ادعى لان يخرج اي تعلق والتفات من القلب الى الخلق
وان تعلق الحاجات كلها بالحي الذي لا يموت
وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي اصحابه عليه
فقد علم ابن عباس رضي الله عنهما قال ( اذا سألت فاسأل الله
واذا استعنت فاستعن بالله )
اخرجه الترمذي احمد
واخرج مسلم من حديث عوف بن مالك الاشجعي رضي الله عنه
ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع جمعا من اصحابه
على ان لا يسألوا الناس شيئا
فقال فلقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط صوت احدهم فما يسأل احدا يناوله اياه
وفي المسند عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يضمن لي واحدة واضمن له الجنة)
قال قلت انا يا رسول الله
قال (لا تسأل الناس شيئا)
فكان صوت ثوبان يسقط وهو على بعيره
فينيخ حتى يأخذه وما يقول لاحد ناولنيه
وهذا صلى الله عليه وسلم حمل على مكارم الاخلاق
والترفع عن تحمل منن الخلق
وتعليم للصبر على مضض الحاجات
والاستغناء عن الناس وعزة النفوس
والخلاصة ان طمع العبد في ربه ورجاءه له يوجب عبوديته له واعراضه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية له
وكل من علق قلبه بمخلوق في قضاء حوائجه خضع قلبه له
وصار فيه من العبودية له بحسب حاله
وبقدر تعلقه بالمخلوق يستكبر عن التذلل للخالق
فلا يكون من اهل السؤال والدعاء والطلب والخضوع له
فان العبودية للمخلوق زاحمت العبودية للخالق فاضعفتها
وربما الغتها
فقبحا لمن حاجته العبيد ويعرض عن طلب من بيده كل ما يريد
فانه قد وضع المسألة في غير موضعها وانزلها بغير اهلها
وظلم توحيده واخلاصه وفقره الى الله
واستغنى بسؤال الناس عن سؤال رب الناس
وذلك كله يهضم من حق التوحيد
ويضعف نوره ويوهن قوته
والله المستعان
احسن الله اليكم شيخنا هل ننتقل الى القاعدة السابعة? القاعدة السابعة القلب السليم في جنة معجلة
ان القلوب لا تدرك السعادة الا بسلام واي لذة ونعيم في الدنيا اطيب من بر القلب وسلامة الصدر
الذي تنور بمعرفة ربه ومحبته والعمل بطاعته
وهل العيش في الحقيقة الا عيش القلب السليم? وقد اثنى الله سبحانه على خليله ابراهيم عليه السلام بسلامة قلب فقال ( وان من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم )
واخبر عنه انه قال عليه السلام (يوم لا ينفع مال ولا بنون
الا من اتى الله بقلب سليم)
فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد
وهو الذي ضمنت له النجاة من العذاب والفوز بالكرامة
احسن الله اليكم
ما معنى كلمة سليم? السليم هو السالم
وجعل هذا المثال لأنه للصفات كالطويل والقصير والظريف فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له
كالعليم والقدير
وايضا فانه ضد المريض والسقيم والعليل
وما هو القلب السليم? اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم
والامر الجامع لذلك انه القلب الذي اسلم وسلم واستسلم
هذه تحتاج الى توضيح حفظكم الله
اسلم لله وسلم مما يقطعه عنه وسلم لقضائه
وسلم اولياءه واستسلم لشرعه
وتوضيح ملامحه بما يأتي
القلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها
اي انه الذي سلم من كل افة تبعده عن الله
ومن كل ارادة تزاحم مراده
ومن كل قاطع يقطعه عنه
وما هي هذه القواطع? القواطع جملة ترجع الى خمسة اشياء
شرك يناقض التوحيد
وبدعة تخالف السنة وشهوة تخالف الامر
وغفلة تناقض الذكر وهوى يناقض التجريد والاخلاص
فهذه الخمسة حجب عن الله وتحت كل واحد منها انواع كثيرة تتضمن افرادا لا تكاد تنحصر
اعود فأقول القلب السليم هو الذي حقق التوحيد
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى الا من اتى الله بقلب سليم قال [شهادة ان لا اله الا الله]
وفسر بعضهم قوله تعالى الا من اتى الله بقلب سليم
[بانه الذي يلقى ربه وليس فيه احد غيره]
اذا القلب السليم سليم مما سوى الله وامره لا يريد الا الله
ولا يفعل الا ما امر به الله
فالله وحده غايته وامره وشرعه وسيلته وطريقته
قد تخلص من شوائب الشرك فهو فارغ من المخلوقات خال منها غير ملتفت اليها
فسلم لربه وخلص له
كالعبد الذي سلم لمولاه
ليس فيه شركاء متنازعون (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون) القلب السليم هو الذي قد سلم لعبودية ربه حبا وخوفا رجاء واسلم لربه انقيادا وخضوعا وذلا
واثر مرضاته على كل حال
وتباعد من سخطه بكل طريق
القلب السليم هو الذي اخلص عمله لله
فان احب احب لله وان ابغض ابغض لله
وان اعطى اعطى لله وان منع منع لله
فصاحبه بالحق يسمع وبالحق يبصر
وبالحق يبطش وبالحق يمشي
يحب من الاشياء ما يحبه الله
ويبغض منها ما يبغضه الله
ويوالي منها ما والاه الله
ويعادي منها ما عاداه الله ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله
ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله
القلب السليم هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة
من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن
ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الانفس
فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات
ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات
القلب السليم هو الذي سلم للوحي
فلم تبق فيه منازعة لامر ولا معارضة لخبر
فانقاد للخبر تصديقا واستيقانا
وللطلب اذعانا وامتثالا
القلب السليم هو الذي سلم لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا وطاعة
وسلم من الانقياد والتحكيم لغيره فعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام به والاقتداء به وحده
وتلقى احكامه بالمسالمة وترك المنازعة
فلم يعارضه برأي ولا قياس ولا تقليد
ولا رأى الى خلافها سبيلا البتة
انما الانقياد المحض والتسليم والاذعان والقبول
القلب السليم هو الذي سلم في جميع احكامه واقواله واعماله
ظاهرا وباطنا لمشكاة النبوة
وعرض ما جاء من سواها عليها
فما وافقها قبله وما خالفها رده
القلب السليم هو الذي استسلم لقضاء الله وقدره
فلم يتهمه سبحانه ولم ينازعه
ولم يتسخط اقداره
اذ تستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا
كلما كان العبد اعظم رضا بقدر ربه كان قلبه اسلم
فالخبث قرين السخط
وسلامة القلب قرينة الرضا
القلب السليم هو النقي من الغل والدغل
الخالص من الغش والحقد والحسد
يضمر للمسلمين كل خير ونصح ويغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين في كل ما امكن فيه العذر
قد سالم اولياء الله وحزبه المفلحين
وعاد اعداؤه الضالين المضلين
فلا يعمر قلب بالحسد والغل الا وهو خراب
لم تتنور ارجاءه بكمال اجلال الله وطلب مرضاته والتسليم لحكمه
والله المستعان
هذه بعض ملامح القلب السليم
وما اسعده
اي والله
هنيئا لصاحبه
فما اسعد حاله ومآله
يا من يحدث نفسه بدخول جنات النعيم
ان كنت متقيا فانت على الصراط المستقيم
لا ترجون سلامة من غير ما قلب سليم
فاسلك طريق المتقين
وظن خيرا بالكريم
هذا ما تيسر في هذه الحلقة
ولا يزال لقواعد القلوب تتمة في الحلقة القادمة ان شاء الله
اللهم اصلح قلوبنا وارزقنا سلامتها وصحتها
امين
واعذنا من مرضها وموتها
والله اعلم
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى اله وصحبه اجمعين
قدمت لكم اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية
برنامج مجالس العقيدة
اعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبدالعزيز سندي
اخراج نايف بن عطية العوفي
تفريغ
مجالس مجالس العقيدة اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية تقدم برنامج مجالس العقيدة حوارات ونقاشات علمية في مواضيع العقيدة الاسلامية
مجالس العقيدة
اعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبدالعزيز سندي اخراج نايف بن عطية العوفي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين اما بعد
فمرحبا واهلا في حلقة جديدة في برنامج مجالس العقيدة ارحب في مطلعها برفيقي فيها فضيلة الدكتور سعود العوفي وفضيلة الدكتور معاذ الطيب فمرحبا واهلا
حياكم الله شيخنا
الله يحييكم شيخنا جزاكم خير
لا يزال حديثنا موصولا بموضوع قواعد القلوب
اسأل الله ان يصلح قلوبنا ويرزقنا حياتها وسلامتها
امين
نعم سلمكم الله
وقد انتهينا من ثلاث قواعد وهذا او ان الشروع في القاعدة الرابعة
بارك الله فيكم
القاعدة الرابعة القلب هو الاصل والجوارح تبع
القلب ملك الجوارح وسلطانها
والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره
فاذا صلح الملك صلحت رعاياه
واذا فسد الملك فسدت
قال ابو هريرة رضي الله عنه فيما اخرجه معمر في جامعه والبيهقي في الشعب
[القلب ملك وله جنود
اذا صلح الملك صلحت جنوده
واذا فسد الملك فسدت جنوده]
واذا كان الجسد تابعا للقلب
اذا لا يستقر شيء في القلب الا ظهر مقتضاه على البدن
ولو بوجه من الوجوه
فاذا كان فيه معرفة وارادة سرى ذلك الى البدن بالضرورة ولا يمكن ان يتخلف البدن عما يريده القلب
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (الا وان في الجسد مضغة
اذا صلحت صلح الجسد كله
واذا فسدت فسد الجسد كله
الا وهي القلب)
والحديث متفق عليه
فاذا كان القلب صالحا ما فيه من الايمان علما وعملا لزم ضرورة صلاح الجسد
اي ان يتحرك بمقتضى ذلك من الاقوال الحسنة والاعمال الصالحة
وما لم يظهر اثر صالح فهو دليل على فساد الباطن
قال صلى الله عليه وسلم (التقوى ها هنا واشار الى صدره ثلاث مرات) اخرجه مسلم
ما مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (التقوى ها هنا)
مراده امران متداخلان
الاول ان المتقي هو المخلص في فعل التقوى
وليس بالذي يترك لأجل الناس او يفعل لأجل الناس
والثاني ان الاصل في التقوى والفجور هو القلب
فاذا بر القلب واتقى برت الجوارح
واذا فجر القلب فجرت الجوارح
ومهما يكن من شيء
فان من تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها
علم ارتباط اعمال الجوارح بأعمال القلوب
وانها لا تنفع بدونها
كما علم ان اعمال القلوب افرض على العبد من اعمال الجوارح
وهل يتميز المؤمن عن المنافق الا بما في قلب كل واحد منهما? وهل يمكن احدا الدخول في الاسلام الا بعمل قلبه قبل لسانه وجوارحه
وهل تنفع الاعمال الصالحة ما لم تكن مؤسسة على التوحيد الخالص?
احسن الله اليكم
وما المستفاد من معرفة ان القلب هو الاصل والجوارح تبع
نستفيد امورا
اولا ان احكام القلوب اهم من معرفة احكام الجوارح
اذ هي اصلها واحكام الجوارح متفرعة عنها
وما اكثر الغفلة عن هذا
ثانيا ان الثواب والعقاب والمدح والذمة وتوابعهما
هي للقلب اصلا
الجوارح تبعا فهنيئا لمن تعاهد قلبه
ثالثا ان المقصود بالأعمال اولا صلاح القلب واستقامته وعبوديته لربه ومليكه
وجعلت اعمال الجوارح تابعة لهذا المقصد
مرادة له
كما قال تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)
رابعا ان عبودية القلب اعظم من عبودية الجوارح واكثر وادوم
فهي واجبة في كل وقت بخلاف اعمال الجوارح
خامسا ان كل ما اوجبه الله على العباد لابد ان يجب على القلب فانه الاصل
وان وجب على غيره تبعا
فالعبد انما يعلم بالأمر والنهي قلبه
وانما يقصد بالطاعة والامتثال قلبه
والعلم بالمأمور وقصد الامتثال يكون قبل وجود الفعل المأمور به
فالقلب اذا هو الاصل فيه
ومثله الاقوال المأمور بها
فالقلب اخص بها
فلابد ان يعلم القلب ما يقول ويقصد
ولهذا كانت الاقوال في الشرع لا تعتبر الا من عاقل يعلم ما يقوله ويقصده
فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله لغو في الشرع
والشرع لم يرتب المؤاخذة الا على ما يكسبه القلب من الاقوال والافعال الظاهرة
كما قال تعالى (ولكن يؤاخذكم بما قلوبكم)
سادسا ان يعلم انه كما ان للقلب على الجوارح سلطة
فللجوارح على القلب تأثير
ما معنى هذا احسن الله اليك? المعنى هو كما ان ما يظهر على البدن من الاقوال والاعمال هو موجب ما في القلب ولازمه
ودليله ومعلوله فكذا ما يقوم بالبدن من الاقوال والاعمال له ايضا تأثير في القلب
فكل منهما يؤثر في الاخر
لكن القلب هو الاصل والبدن فرع له
والفرع يستمد من اصله
والاصل يثبت ويقوى بفرعه كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الايمان
قال تعالى (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بأذن ربها)
وهي كلمة التوحيد
فالشجرة كلما قوي اصلها قوي فرعها وفروعها ايضا اذا اقتدت بالمطر والريح اثر ذلك في اصلها
احسن الله اليكم
لعلكم تذكرون لنا الخلاصة المستفادة من هذه القاعدة
الخلاصة هي اعتني بقلبك ولا تغفل عنه
فان الايمان القائم بالقلوب اصل كل خير
وهو خير ما اوتيه العبد في الدنيا والاخرة
وبه تحصل له سعادة الدنيا والاخرة
والنجاة من شقاوة الدنيا والاخرة
ومتى ما رسخ الايمان في القلب انبعثت الجوار بالاعمال الصالحة واللسان بالكلام الطيب
فاذا ذاق العبد حلاوة الايمان ووجد طعمه
ظهرت ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه ولابد
فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه
واسرعت الجوارح الى طاعة الله
فحين إذ يدخل حب الايمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه
ويصير الخروج من الايمان اكره الى القلوب من الالقاء في النار
وامر عليها من الصبر اخرج ابن المبارك في كتابه الزهد عن محمد بن مسلم رحمه الله قال بلغني عن ابي الدرداء رضي الله عنه انه دخل المدينة فقال [ما لي لا ارى عليكم يا اهل المدينة في حلاوة الايمان والذي نفسي بيده لو ان دب الغابة طعم الايمان لرؤي عليه حلاوة الايمان]
هل ننتقل الى القاعدة الخامسة?
القاعدة الخامسة الغنى غنى القلب
الغنى على الحقيقة ليس الا لله الغني بذاته عن كل ما سواه
وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع
وغناه امر نسبي عارض له
فانه انما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غني به فقير اليه
ولا يوصف بالغنى على الاطلاق الا من غناه من لوازم ذاته فهو الغني بذاته سبحانه عما سواه
هو الاحد الصمد الغني الحميد جل جلاله
وما احسن ما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله [والفقر لي وصف ذات لازم ابدا
كما الغنى ابدا
وصف له ذاتي] والغني من الخلق انما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته
وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة
لا يسدها الا فوزه بمعرفة الغني الحميد وعبادته
فهذا ان حصل للعبد حصل له كل شيء
وان فاته فاته كل شيء
واذا استيقن العبد بهذا تبين له ان الفقر الى الله عز وجل هو عين الغنى
احسن الله اليكم
هذه قاعدة عظيمة
الفقر الى الله هو عين الغناء
نعم
وكمال الغنى سبحانه هو كمال عبوديته
وحقيقة العبودية كمال الافتقار اليه من كل وجه
من حيث كونه ربا ومن حيث كونه معبودا
وهذا الافتقار هو عين الغنى به
فافقر الناس الى الله اغناهم به
واذلهم له اعزهم واضعفهم بين يديه اقواهم
فكما انه سبحانه الغني بذاته على الحقيقة ولا غني سواه
فالغني به هو الغني في الحقيقة ولا غنى بغيره البتة
فمن لم يستغني به عما سواه تقطعت نفسه حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح
>يا غنيا بالدنانير محب الله اغنى<
وماذا عن الغنى بغيره? الغنى بغيره سبحانه عين الفقر
فانه غنى بمعدوم فقير
وكيف يستغني الفقير بفقير مثله? فمن لم يستغني قلبه بالله ففقره بين عينيه ولا يزال خائفا من الفقر ولن يستغني قلبه بشيء ولن يشبع من الدنيا ولن يغنيه ما كثر له منها وانما يضر نفسه قال ابن رجب رحمه الله ولهذا قال الامام احمد وابن عيينة وابن وهب وجماعة من الائمة ان [الفقر الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم هو فقر النفس]
انتهى كلامه
وقد اخرج النسائي في الكبرى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( انما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب )
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) ان حقيقة غنى القلب
تعلقه بالله وحده وحقيقة فقره المذموم تعلقه بغيره واذا اغنى الله القلب صح سيره اليه وقطع تعلقه بغيره
ولم يقصد سواه واكتفى به واستغنى عما سواه واستوحش ممن يقطعه عنه
احسن الله اليكم
وكيف الوصول لغنى القلب بالله
لا سبيل لغنى القلب الا بتحقيقه العبودية المحضة له جل في علاه
فهي اعظم خلعة تخلع عليه
فاذا استغنى القلب بهذا الغنى استغنت النفس غنا يناسبها
وذهب عنه كسلها واخلادها الى الارض
وسقيت بماء في الحياة الذي انزله الله عز وجل على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم
(وانه لتنزيل رب العالمين
نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)
فالنفس التي سقيت بالوحي انبت من كل زوج كريم فانقادت بزمام المحبة والخوف والرجاء الى مولاها سبحانه مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له
(يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اغنى عباد الله قلبا
قال تعالى (ووجدك عائلا فأغنى)
والصحيح والله اعلم ان الغنى في الآية يعم نوعي الغنى
فأغنى قلبه به
واغناه من الدنيا عن غيره وكان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه هذا الغنى فكان يقول كما في صحيح مسلم ( اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ) والمراد بالغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في ايديهم اذا غنى اليد شيء وغنى القلب شيء اخر
صحيح
غنى اليد شيء وغنى القلب شيء اخر
والشأن كل الشأن في غنى القلب
وغنى اليد محمود ام مذموم? غنى اليد اي الغنى بالمال وحطام الدنيا
هذا لذاته لا يذم ولا يمدح
والمعول على ما يقارنه في القلب
فان غنى اليد قد يقارنه غنى القلب فيكون ممدوحا
وفي المسند ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)
وقد يقارن اليد فقر القلب فيكون وبالا على صاحبه
والمقصود انه اذا من الله على عبده بغنى قلبه فأي فقر يخشى وقد فاز بهذا الحظ الجليل
واي غنى فات حتى يتحسر عليه
واعلم ايها الموفق ان النفس اذا ارتقت الى غنى القلب استغنت به عن التطاول الى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة
والتقاعد عن الامور المطلوبة المرغوبة
فان فقرها الى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وايضا فتقاعدها عن المطلوب موجب لفقرها الى الشهوات والله المستعان
بارك الله فيكم
هل ننتقل الى القاعدة السادسة? نعم
وهي تكميل وتكميم للقاعدة السابقة
القاعدة السادسة اذا استغنى القلب بالخالق
استغنى عن المخلوق
القلب لا يستغني الا بالله تعالى كما تقدم
فقد خلق الانسان محتاجا الى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره
ونفسه مريدة دائمة
ولابد لها من مراد يكون غاية مطلوبها
تسكن اليه وتطمئن به وكل مألوه سواه سبحانه يحصل به الفساد
لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا
ولا يحصل صلاح القلوب الا بعبادة الله وحده والاستعانة به فهو مفتقر اليه إله
ومفتقر اليه ربا
فلا حول ولا قوة الا بالله ولا ملجأ منه الا اليه
والعبد ان لم يكن مخلصا لله الدين عبد غيره واشرك به عبادة واستعانة
وما ذاك الا لجهله بسعادته وظلمه نفسه
وهو ظلوم جهول
والا فسعادته في ان لا يعبد الا الله
ولا يستعين الا به
فبالعبادة له يستغني عن معبود اخر
وباستعانته به يستغني عن معين غيره
ولذا فالمشرك لا يحصل له ما يقر عينه ويغني قلبه فان الله سبحانه خلق عباده حنفاء على الفطرة
قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين (كل مولود يولد على الفطرة)
فالقلب مخلوق مفطور على فطرة الاسلام
وهو الاستسلام لله دون ما سواه
فهو بفطرته لا يريد ان يعبد الا الله
فلا يطمئن قلبه ولا تحصل لذته وسروره
الا بان يكون الله معبوده دون ما سواه
واذا لم يحصل هذا سيبقى في عطش وهلع
فيطلب ما يسكن به ويلتذ
فلا يجد امامه الا معاقرة الموبقات
اذا لن يستغني القلب عن جميع المخلوقات
الا بان يكون الله مولاه الذي لا يعبد الا اياه
ولا يستعين الا به
ولا يتوكل الا عليه
ولا يفرح الا بما يرضاه
ولا يكره الا ما يكرهه
ولا يوالي الا من والاه ولا يعادي الا من عاداه
ولا يحب الا له ولا يبغض الا له ولا يعطي الا له
ولا يمنع الا له
فبقدر اخلاصه لله ومحبته
تكمل عبوديته ويتم استغناؤه عن المخلوقات
قال بعضهم [ اذا انقطع العبد الى الله بالكلية
فاول ما يفيده الاستغناء به عما سواه ]
وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته
قويت عبوديته له وحريته مما سواه
فكما ان طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له
فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه
كما قيل استغني عمن شئت تكن نظيره
وافضل على من شئت تكن اميرة واحتج الى من شئت تكن اسيرة
احسن الله اليكم وكيف الوصول لهذه الرتبة? لن يرتقي العبد الى هذه الرتبة الا بان يشهد فقرا تاما الى ربه
ويوقن بان كل ذرة من ذراته الظاهرة و الباطنة مضطرة اليه من جهة كونه ربا مدبرا
ومن جهة كونه الها معبودا فلا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره
احسن الله اليكم وما السبيل المعينة على الوصول لهذا الافتقار? لن يصل العبد له الا بمعرفتين لابد له منهما
معرفة حقيقة الربوبية والالهية
ومعرفة حقيقة النفس والعبودية
فاذا اعطى هاتين المعرفتين حقهما اتصفا بهذا الفقر
فما اغناه حينئذ فقير وما اعزه من ذليل وما اقواه من ضعيف وما انسه من وحيد
فهو الغني بالا مال القوي بلا سلطان
العزيز بلا عشيرة
المكفي بلا عتاد
قد قرت عينه بالله
فقرت به كل عين
واستغنى بالله فافتقر اليه الاغنياء
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله فان المخلوقين [اذا اشتكى اليهم الانسان فضررهم اقرب من نفعهم
والخالق جل جلاله وتقدست اسماؤه ولا اله غيره
اذا اشتكى اليه المخلوق وانزل حاجته به واستغفره من ذنوبه ايده وقواه وهداه وسد فاقته واغناه وقربه واقناه وحبه واصطفاه والمخلوق اذا انزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم اعرض عنه] انتهى كلامه
هذا مقام عظيم يحتاج الى مجاهدة النفس
احسنت يا دكتور
ومما يعين على تحقيق الاستغناء بالله
رياضة النفس واخذها بالحزم
بان تستغني عن الناس ما امكن
وتحفظ ماء الوجه من ان يراق لهم
فهذا ادعى لان يخرج اي تعلق والتفات من القلب الى الخلق
وان تعلق الحاجات كلها بالحي الذي لا يموت
وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي اصحابه عليه
فقد علم ابن عباس رضي الله عنهما قال ( اذا سألت فاسأل الله
واذا استعنت فاستعن بالله )
اخرجه الترمذي احمد
واخرج مسلم من حديث عوف بن مالك الاشجعي رضي الله عنه
ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع جمعا من اصحابه
على ان لا يسألوا الناس شيئا
فقال فلقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط صوت احدهم فما يسأل احدا يناوله اياه
وفي المسند عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يضمن لي واحدة واضمن له الجنة)
قال قلت انا يا رسول الله
قال (لا تسأل الناس شيئا)
فكان صوت ثوبان يسقط وهو على بعيره
فينيخ حتى يأخذه وما يقول لاحد ناولنيه
وهذا صلى الله عليه وسلم حمل على مكارم الاخلاق
والترفع عن تحمل منن الخلق
وتعليم للصبر على مضض الحاجات
والاستغناء عن الناس وعزة النفوس
والخلاصة ان طمع العبد في ربه ورجاءه له يوجب عبوديته له واعراضه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية له
وكل من علق قلبه بمخلوق في قضاء حوائجه خضع قلبه له
وصار فيه من العبودية له بحسب حاله
وبقدر تعلقه بالمخلوق يستكبر عن التذلل للخالق
فلا يكون من اهل السؤال والدعاء والطلب والخضوع له
فان العبودية للمخلوق زاحمت العبودية للخالق فاضعفتها
وربما الغتها
فقبحا لمن حاجته العبيد ويعرض عن طلب من بيده كل ما يريد
فانه قد وضع المسألة في غير موضعها وانزلها بغير اهلها
وظلم توحيده واخلاصه وفقره الى الله
واستغنى بسؤال الناس عن سؤال رب الناس
وذلك كله يهضم من حق التوحيد
ويضعف نوره ويوهن قوته
والله المستعان
احسن الله اليكم شيخنا هل ننتقل الى القاعدة السابعة? القاعدة السابعة القلب السليم في جنة معجلة
ان القلوب لا تدرك السعادة الا بسلام واي لذة ونعيم في الدنيا اطيب من بر القلب وسلامة الصدر
الذي تنور بمعرفة ربه ومحبته والعمل بطاعته
وهل العيش في الحقيقة الا عيش القلب السليم? وقد اثنى الله سبحانه على خليله ابراهيم عليه السلام بسلامة قلب فقال ( وان من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم )
واخبر عنه انه قال عليه السلام (يوم لا ينفع مال ولا بنون
الا من اتى الله بقلب سليم)
فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد
وهو الذي ضمنت له النجاة من العذاب والفوز بالكرامة
احسن الله اليكم
ما معنى كلمة سليم? السليم هو السالم
وجعل هذا المثال لأنه للصفات كالطويل والقصير والظريف فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له
كالعليم والقدير
وايضا فانه ضد المريض والسقيم والعليل
وما هو القلب السليم? اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم
والامر الجامع لذلك انه القلب الذي اسلم وسلم واستسلم
هذه تحتاج الى توضيح حفظكم الله
اسلم لله وسلم مما يقطعه عنه وسلم لقضائه
وسلم اولياءه واستسلم لشرعه
وتوضيح ملامحه بما يأتي
القلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها
اي انه الذي سلم من كل افة تبعده عن الله
ومن كل ارادة تزاحم مراده
ومن كل قاطع يقطعه عنه
وما هي هذه القواطع? القواطع جملة ترجع الى خمسة اشياء
شرك يناقض التوحيد
وبدعة تخالف السنة وشهوة تخالف الامر
وغفلة تناقض الذكر وهوى يناقض التجريد والاخلاص
فهذه الخمسة حجب عن الله وتحت كل واحد منها انواع كثيرة تتضمن افرادا لا تكاد تنحصر
اعود فأقول القلب السليم هو الذي حقق التوحيد
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى الا من اتى الله بقلب سليم قال [شهادة ان لا اله الا الله]
وفسر بعضهم قوله تعالى الا من اتى الله بقلب سليم
[بانه الذي يلقى ربه وليس فيه احد غيره]
اذا القلب السليم سليم مما سوى الله وامره لا يريد الا الله
ولا يفعل الا ما امر به الله
فالله وحده غايته وامره وشرعه وسيلته وطريقته
قد تخلص من شوائب الشرك فهو فارغ من المخلوقات خال منها غير ملتفت اليها
فسلم لربه وخلص له
كالعبد الذي سلم لمولاه
ليس فيه شركاء متنازعون (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون) القلب السليم هو الذي قد سلم لعبودية ربه حبا وخوفا رجاء واسلم لربه انقيادا وخضوعا وذلا
واثر مرضاته على كل حال
وتباعد من سخطه بكل طريق
القلب السليم هو الذي اخلص عمله لله
فان احب احب لله وان ابغض ابغض لله
وان اعطى اعطى لله وان منع منع لله
فصاحبه بالحق يسمع وبالحق يبصر
وبالحق يبطش وبالحق يمشي
يحب من الاشياء ما يحبه الله
ويبغض منها ما يبغضه الله
ويوالي منها ما والاه الله
ويعادي منها ما عاداه الله ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله
ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله
القلب السليم هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة
من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن
ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الانفس
فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات
ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات
القلب السليم هو الذي سلم للوحي
فلم تبق فيه منازعة لامر ولا معارضة لخبر
فانقاد للخبر تصديقا واستيقانا
وللطلب اذعانا وامتثالا
القلب السليم هو الذي سلم لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا وطاعة
وسلم من الانقياد والتحكيم لغيره فعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام به والاقتداء به وحده
وتلقى احكامه بالمسالمة وترك المنازعة
فلم يعارضه برأي ولا قياس ولا تقليد
ولا رأى الى خلافها سبيلا البتة
انما الانقياد المحض والتسليم والاذعان والقبول
القلب السليم هو الذي سلم في جميع احكامه واقواله واعماله
ظاهرا وباطنا لمشكاة النبوة
وعرض ما جاء من سواها عليها
فما وافقها قبله وما خالفها رده
القلب السليم هو الذي استسلم لقضاء الله وقدره
فلم يتهمه سبحانه ولم ينازعه
ولم يتسخط اقداره
اذ تستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا
كلما كان العبد اعظم رضا بقدر ربه كان قلبه اسلم
فالخبث قرين السخط
وسلامة القلب قرينة الرضا
القلب السليم هو النقي من الغل والدغل
الخالص من الغش والحقد والحسد
يضمر للمسلمين كل خير ونصح ويغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين في كل ما امكن فيه العذر
قد سالم اولياء الله وحزبه المفلحين
وعاد اعداؤه الضالين المضلين
فلا يعمر قلب بالحسد والغل الا وهو خراب
لم تتنور ارجاءه بكمال اجلال الله وطلب مرضاته والتسليم لحكمه
والله المستعان
هذه بعض ملامح القلب السليم
وما اسعده
اي والله
هنيئا لصاحبه
فما اسعد حاله ومآله
يا من يحدث نفسه بدخول جنات النعيم
ان كنت متقيا فانت على الصراط المستقيم
لا ترجون سلامة من غير ما قلب سليم
فاسلك طريق المتقين
وظن خيرا بالكريم
هذا ما تيسر في هذه الحلقة
ولا يزال لقواعد القلوب تتمة في الحلقة القادمة ان شاء الله
اللهم اصلح قلوبنا وارزقنا سلامتها وصحتها
امين
واعذنا من مرضها وموتها
والله اعلم
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى اله وصحبه اجمعين
قدمت لكم اذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية
برنامج مجالس العقيدة
اعداد وتقديم الشيخ الدكتور صالح بن عبدالعزيز سندي
اخراج نايف بن عطية العوفي
